المعرب والمبني
يشير إلى أن الاسم ينقسم إلى قسمين أحدهما المعرب وهو ما سلم من شبه الحرف والثاني المبني وهو ما أشبه الحرف وهو المعني بقولهِ لشبهٍ من الحروف مدني أي لشبهٍ مقرّب من الحروف. فعلة البناء منحصرة عند المصنف رحمهُ الله تعالى في شبه الحرف ثم نوّع المصنف وجوه الشبه في البيتين اللذين بعد هذا البيت وهذا قريب من مذهب أبي علي الفارسي حيث جعل البناء منحصرا في شبه الحرف أو ما تضمن معناهُ وقد نصّ سيبويهِ رحمهُ الله على أن علة البناء كلها ترجع إلى شبه الحرف وممن ذكرهُ ابن أبي الربيع
ذكر في هذين البيتين وجوه شبه الاسم بالحرف في أربعة مواضع فالأول شبههُ لهُ في الوضع كأن يكون الاسم موضوعًا على حرف كالتاء في ضربت أو على حرفين كنا في أكرمنا وإلى ذلك أشار بقولهِ في اسمي جئتنا فالتاء في جئتنا اسمٌ لأنهُ فاعل وهو مبنيٌ لأنهُ أشبه الحرف في الوضع في كونهِ على حرف واحد وكذلك نا اسمٌ لانهُ مفعولٌ وهو مبنيٌ لشبههِ بالحرف في الوضع في كونهِ على حرفين * والثاني شبه الاسم لهُ في المعنى وهو قسمان أحدهما ما أشبه حرفًا موجودًا والثاني ما أشبه حرفًا غير موجود فمثال الأول متى فإنها مبنيةٌ لشبهها الحرف في المعنى فإنها تُستعمل للاستفهام نحو متى تقوم وللشرط نحو متى تقم أقم وفي الحالتين هي مشبهة لحرف موجود لأنها في الاستفهام كالهمزة وفي الشرط كإن ومثال الثاني هنا فإنها مبنية لشبهها حرفًا كان ينبغي أن يوضع فلم يوضع وذلك لأن الإشارة معنى من المعاني فحقها أن يوضع لها حرفٌ يدل عليها كما وضعوا للنفي ما وللنهي لا وللتمني ليت وللترجي لعلّ ونحو ذلك فبُنيتْ أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفًا مقدرًا * والثالث شبههُ لهُ في النيابة عن الفعل وعدم التأثّر بالعامل وذلك كأسماء الأفعال نحو دراكِ زيدًا. فدراكِ مبنيٌ لشبههِ بالحرف في كونهِ يعمل ولا يعمل فيهِ غيرهُ كما أن الحرف كذلك. واحترز بقولهِ بلا تأثر عما ناب عن الفعل وهو متأثر بالعامل نحو ضربًا زيدًا فإنهُ نائبٌ مناب اضرب وليس بمبني لتأثرهِ بالعامل فإنهُ منصوب بالفعل المحذوف. بخلاف دراكِ فإنهُ وإن كان نائبًا عن أدرك فليس متأثرًا بالعامل. وحاصل ما ذكرهُ المصنف أن المصدر الموضوع موضع الفعل وأسماء الأفعال اشتركا في النيابة مناب الفعل. لكن المصدر متأثر بالعامل فأعرب لعدم مشابهتهِ الحرف. وأسماء الأفعال غير متأثرة بالعامل فبنيت لمشابهتها الحرف في أنها نائبةٌ عن الفعل وغير متأثرة بهِ وهذا الذي ذكرهُ المصنف مبنيٌ على أن أسماء الأفعال لا محلّ لها من الإعراب. والمسألة خلافية وسنذكر ذلك في باب أسماء الأفعال * الرابع شبه الحرف في الافتقار اللازم وإليهِ أشار بقولهِ "وكافتقار أصلا" وذلك كالأسماء الموصولة نحو الذي فإنها مفتقرة في سائر أحوالها إلى الصلة فأشبهت الحرف في ملازمة الافتقار فبنيت وحاصل البيتين أن البناء يكون في ستة أبواب المضمرات وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام وأسماء الإشارة وأسماء الأفعال والأسماء الموصولة
يريد أن المعرب خلاف المبني. وقد تقدّم أن المبني ما أشبه الحرف فالمعرب ما لم يشبه الحرف. وينقسم إلى صحيح. وهو ما ليس آخرهُ حرف علة كأرض. وإلى معتلّ. وهو ما آخرهُ حرف علة كسما وسما لغة في الاسم. وفيهِ ستّ لغات. اِسم بضمّ الهمزة وكسرها وسُم بضم السين وكسرها وسُمًا بضم السين وكسرها أيضًا. وينقسم المعرب أيضًا إلى متمكن أمكن وهو المنصرف كزيد وعمرو. وإلى متمكن غير أمكن وهو غير المنصرف نحو أحمد ومساجد. فغير المتمكن هو المبني والمتمكن هو المعرب وهو قسمان متمكن أمكن ومتمكن غير أمكن
لما فرغ من بيان المعرب والمبني من الأسماء شرع في بيان المعرب والمبني من الأفعال ومذهب البصريين أن الإعراب أصلٌ في الأسماء فرعٌ في الأفعال فالأصل في الفعل البناء عندهم وذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصلٌ في الأسماء وفي الأفعال. والأول هو الصحيح. ونقل ضياء الدين بن العلج في البسيط أن بعض النحويين ذهب إلى أن الإعراب أصلٌ في الأفعال فرعٌ في الأسماء. والمبني من الأفعال ضربان * أحدهما ما اتفق على بنائهِ وهو الماضي وهو مبني على الفتح نحو ضرب وانطلق ما لم يتصل بهِ واو جمع أو ضمير رفع متحرّك فيسكن. والثاني ما اختلف في بنائهِ. والراجح أنهُ مبني وهو فعل الأمر نحو اضرب. وهو مبني عند البصريين ومعربٌ عند الكوفيين * والمعرب من الأفعال هو المضارع ولا يعرَب إلا إذا لم تتصل بهِ نون التوكيد أو نون الإناث. فمثال نون التوكيد المباشرة هل تضربنّ. والفعل معها مبني على الفتح ولا فرق في ذلك بين الخفيفة والثقيلة. فإن لم تتصل بهِ لم يبنَ وذلك كما إذا فصل بينهُ وبينها ألف اثنين نحو هل تضربانّ وأصلهُ هل تضربانِنّ فاجتمعت ثلاث نونات فحذفت الأولى وهي نون الرفع كراهة توالي الأمثال فصار هل تضربانّ. وكذلك يعرب الفعل المضارع إذا فصل بينهُ وبين نون التوكيد واو جمع أو ياء مخاطبة نحو هل تضربنّ يا زيدونَ وهل تضربنّ يا هندُ. وأصل تضربنّ تضربوننّ فحذفت النون الأولى لتوالي الأمثال كما سبق فصار تضربونّ فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصار تضربُنّ وكذلك تضربِنّ أصلهُ تضربيننّ ففعل بهِ ما فعل بتضربوننّ وهذا هو المراد بقولهِ "وأعربوا مضارعًا إن عريا من نون توكيد مباشر" فشرط في إعرابهِ أن يعرى من ذلك ومفهومهُ أنهُ إذا لم يعرَ منهُ يكون مبنيًا فعلم أن مذهبهُ أن الفعل المضارع لا يبنى إلا إذا باشرتهُ نون التوكيد نحو هل تضربنّ يا زيدون فإن لم تباشرهُ أُعرب. وهذا هو مذهب الجمهور وذهب الأخفش إلى أنهُ مبنيٌ مع نون التوكيد سواءٌ اتصلت بهِ نون التوكيد أو لم تتصل. ونقل عن بعضهم أنهُ معربٌ وإن اتصلت بهِ نون التوكيد. ومثال ما اتصلت بهِ نون الإناث الهندات يضربنَ والفعل معها مبنيٌ على السكون ونقل المصنف رحمهُ الله في بعض كتبهِ أنهُ لا خلاف في بناء الفعل المضارع مع نون الإناث وليس كذلك بل الخلاف موجودٌ ممن نقلهُ الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور في شرحهِ للايضاح
الحروف كلها مبنية إذ لا يعتورها ما تفتقر في دلالتها عليهِ إلى إعراب نحو أخذت من الدراهم. فالتبعيض مستفاد من لفظ من بدون الإعراب والأصل في البناء أن يكون على السكون لأنهُ أخفّ من الحركة ولا يحرّك المبني إلا لسبب كالتخلص من التقاء الساكنين وقد تكون الحركة فتحة كأينَ وقامَ وإنّ. وقد تكون كسرة كأمسِ وجيرِ. وقد تكون ضمة كحيثُ وهو اسم ومنذُ وهو حرف. وأما السكون فنحو كمْ واضربْ وأجلْ. وعلم مما مثلنا بهِ أن البناء على الكسر والضم لا يكون في الفعل بل في الاسم والحرف. وأن البناء على الفتح أو السكون يكون في الاسم والفعل والحرف
أنواع الإعراب أربعة الرفع والنصب والجرّ والجزم فأما الرفع والنصب فيشترك فيهما الأسماء والأفعال نحو زيدٌ يقومُ وإنّ زيدًا لن يقومَ. وأما الجرّ فيختص بالأسماء نحو بزيدٍ. وأما الجزم فيختصّ بالأفعال نحو لم يضربْ والرفع يكون بالضمة والنصب يكون بالفتحة والجرّ يكون بالكسرة والجزم يكون بالسكون وما عدا ذلك يكون نائبًا عنهُ كما نابت الواو عن الضمة في أخو. والياء عن الكسرة في بني من قولهِ جاء أخو بني نمر. وسيذكر بعد هذا مواضع النيابة
شرع في بيان ما يعرب بالنيابة كما سبق ذكرهُ والمراد بالأسماء التي سيصفها الأسماء الستة وهي أب وأخ وحم وهَن وفوه وذو مال فهذه تُرفع بالواو نحو جاء أبو زيدٍ وتُنصب بالألف نحو رأيت أباهُ وتجرّ بالياء نحو مررت بأبيهِ. والمشهور أنها معربة بالحروف. فالواو نائبة عن الضمة والألف نائبة عن الفتحة والياء نائبة عن الكسرة. وهذا الذي أشار إليهِ المصنف بقولهِ وارفع بواو إلى آخر البيت. والصحيح أنها معربة بحركات مقدرة على الواو والألف والياء. فالرفع بضمة مقدّرة على الواو والنصب بفتحة مقدّرة على الألف والجرّ بكسرة مقدّرة على الياء فعلى هذا المذهب الصحيح لم ينب شيءٌ عن شيءٍ مما سبق ذكره
أي من الأسماء التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجرّ بالياء ذو وفم ولكن يشترط في ذو أن تكون بمعنى صاحب. نحو جاءني ذو مال أي صاحب مال. وهو المراد بقولهِ إن صحبة أبانا أي إن أفهم صحبة واحترز بذلك عن ذو الطائية فإنها لا تفهم صحبة بل هي بمعنى الذي فلا تكون مثل ذي بمعنى صاحب بل تكون مبنية وآخرها الواو رفعًا ونصبًا وجرّا نحو جاءني ذو قام ورأيت ذو قام ومررت بذو قام ومنهُ قولهُ
فإما كرامٌ موسرون لقيتهم فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
وكذلك يشترط في إعراب الفم بهذه الأحرف زوال الميم منهُ نحو هذا فوه ورأيت فاهُ ونظرت إلى فيه. وإليهِ أشار بقولهِ والفم حيث الميم منهُ بانا أي انفصلت منهُ الميم أي زالت منهُ. فإن لم تزل منهُ أعرب بالحركات نحو هذا فم ورأيت فمًا ونظرت إلى فم
يعني أن أبًا وأخًا وحمًا تجري مجرى ذو وفم اللذين سبق ذكرهما فترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء نحو هذا أبوه وأخوه وحموها ورأيت أباه وأخاه وحماها ومررت بأبيهِ وأخيهِ وحميها. وهذه هي اللغة المشهورة في هذه الثلاثة وسيذكر المولف في هذه الثلاثة لغتين أخريين. وأما هن فالفصيح فيهِ أن يعرب بالحركات الظاهرة على النون ولا يكون في آخره حرف علة. نحو هذا هنُ زيدٍ ورأيت هنَ زيدٍ ومررت بهنِ زيدٍ وإليهِ أشار بقولهِ والنقص في هذا الأخير أحسن. أي النقص في هن أحسن من الإتمام. والإتمام جائز لكنهُ قليل جدًّا نحو هذا هنوه ورأيت هناه ونظرت إلى هنيهِ. وأنكر الفرّاء جواز إتمامهِ وهو محجوج بحكاية سيبويهِ الإتمام عن العرب. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وأشار المصنف بقولهِ وفي أب وتالييهِ يندر إلى آخر البيت إلى اللغتين الباقيتين في أب وتالييهِ وهما أخ وحم. فإحدى اللغتين النقص وهو حذف الواو والألف والياء والإعراب بالحركات الظاهرة على الباء والخاء والميم نحو هذا أبهُ وأخهُ وحمها ورأيت أبَهُ وأخَهُ وحمَهَا ومررت بأبهِ وأخهِ وحمها وعليهِ قولهُ
بأبهِ اقتدى عديٌّ في الكرم ومن يشابهْ أبهُ فما ظلم
وهذه اللغة نادرة في أب وتالييهِ. ولهذا قال وفي أب وتالييهِ يندر أي يندر النقص. واللغة الأخرى في أب وتالييهِ أن تكون بالألف رفعًا ونصبًا وجرًّا نحو هذا أباهُ وأخاه وحماها ورأيت أباهُ وأخاهُ وحماها ومررت بأباهُ وأخاهُ وحماها وعليهِ قول الشاعر
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
فعلامة الرفع والنصب والجرّ حركة مقدّرة على الألف كما تقرّر في المقصور وهذه اللغة أشهر من النقص. وحاصل ما ذكر أن في أب وأخ وحم ثلاث لغات أشهرها أن تكون بالواو والألف والياء. والثانية أن تكون بالألف مطلقًا والثالثة أن تحذف منها الأحرف الثلاثة وهذا نادر. وأن في هن لغتين. إحداهما النقص وهو الأشهر. والثانية الإتمام وهو قليل
ذكر النحويون لإعراب هذه الأسماء بالحروف شروطًا أربعة. أحدها أن تكون مضافة. واحترز بذلك من ان لا تضاف فإنها حينئذٍ تعرب بالحركات الظاهرة نحو هذا أبٌ ورأيت أبًا ومررت بأبٍ. الثاني أن تضاف إلى غير ياء المتكلم نحو هذا أبو زيد وأخوهُ وحموه. فإن أضيفت إلى ياء المتكلم أعربت بحركات مقدرة نحو هذا أبي ورأيت أبي ومررت بأبي. الثالث أن تكون مكبرة واحترز بذلك من أن تكون مصغرة فإنها حينئذٍ تعرب بالحركات الظاهرة نحو هذا أُبيُّ زيدٍ وذُوَيُّ مال ورأيت أُبيَّ زيدٍ وذُوَيَّ مال ومررت بأُبيِّ زيدٍ وذُوَيِّ مالٍ * والرابع أن تكون مفردة واحترز بذلك من أن تكون مجموعة أو مثناة فإن كانت مجموعة أُعربت بالحركات الظاهرة نحو هؤلاء آباء الزيدين ورأيت آباءهم ومررت بآبائهم وإن كانت مثنّاةً أُعربت إعراب المثنى بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا نحو هذان أبوا زيد ورأيت أبويهِ ومررت بأبويهِ. ولم يذكر المصنف رحمهُ الله تعالى من هذه الأربعة سوى الشرطين الأوّلين. ثم أشار إليهما بقولهِ وشرط ذا الإعراب أن يضفنَ لا للياء أي شرط إعراب هذه الأسماء بالحروف أن تضاف إلى غير ياء المتكلم فعلم من هذا أنهُ لا بدّ من إضافتها وأنهُ لا بدّ أن تكون إلى غير ياء المتكلم. ويمكن أن يفهم الشرطان الآخران من كلامهِ. وذلك أن الضمير في قولهِ يضفنَ راجع إلى الأسماء التي سبق ذكرها وهو لم يذكرها إلا مفردة مكبرة فكأنهُ قال وشرط ذا الإعراب أن يضاف أب واخواتهُ المذكورة إلى غير ياء المتكلم. واعلم أن ذو لا تُستعمل إلا مضافة ولا تُضاف إلى مضمر بل إلى اسم جنس ظاهرٍ غير صفة. نحو جاءني ذو مالٍ فلا يجوز جاءني ذو قائم
ذكر المصنف رحمهُ الله تعالى أن مما ينوب فيهِ الحروف عن الحركات الأسماء الستة وقد تقدّم الكلام عليها. ثم ذكر المثنّى وهو مما يُعرب بالحروف وحدهُ لفظٌ دالٌّ على اثنين بزيادة في آخرهِ صالح للتجريد وعطف مثلهِ عليهِ فيدخل في قولنا لفظٌ دالٌّ على اثنين المثنى نحو الزيدان والألفاظ الموضوعة لاثنين نحو شفع. وخرج بقولنا بزيادة نحو شفع وخرج بقولنا صالح للتجريد نحو اثنان فإنهُ لا يصلح لإسقاط الزيادة منهُ فلا تقول اثن وخرج بقولنا وعطف مثله عليهِ ما صلح للتجريد وعطف غيره عليهِ كالقمرين فإنهُ صالح للتجريد. فتقول قمر ولكن يُعطف عليهِ مغايره لا مثلهُ نحو قمر وشمس وهو المقصود بقولهم القمرين وأشار المصنف بقولهِ بالألف ارفع المثنى وكلا إلى أن المثنى يُرفع بالألف وكذلك شبه المثنى وهو كل ما لا يصدّق عليهِ حدّ المثنى مما دل على اثنين بزيادة أو شبهها فهو ملحق بالمثنى فكلا وكلتا واثنان واثنتان ملحقة بالمثنى لأنها لا يصدق عليها حد المثنى لكن لا تلحق كلا وكلتا بالمثنى إلا إذا أُضيفا إلى مضمر نحو "جاءني كلاهما ورأيت كليهما ومررت بكليهما وجاءتني كلتاهما ورأيت كلتيهما ومررت بكلتيهما" فإن أضيفا إلى ظاهر كانا بالألف رفعًا ونصبًا وجرًّا نحو "جاءني كلا الرجلين وكلتا المرأتين ورأيت كلا الرجلين وكلتا المرأتين ومررت بكلا الرجلين وكلتا المرأتين" فلهذا قال المصنف وكلا إذا بمضمر مضافًا وُصلا ثم بين أن اثنين واثنتين يجريان مجرى ابنين وابنتين فاثنان واثنتان ملحقان بالمثنى وابنان وابنتان مثنى حقيقة ثم ذكر المصنف رحمهُ الله تعالى أن الياء تخلف الألف في المثنى والملحق بهِ في حالة الجرّ والنصب وأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحًا نحو رأيت الزيدين كليهما ومررت بالزيدين كليهما واحترز بذلك عن ياء الجمع فإنّ ما قبلها لا يكون إلا مكسورًا نحو "مررت بالزيدين" وسيأتي ذلك وحاصل ما ذكرهُ أن المثنى وما أُلحق بهِ يُرفع بالألف ويُنصب ويجرّ بالياء وهذا هو المشهور والصحيح أن الإعراب في المثنى والملحق بهِ بحركة مقدّرة على الألف رفعًا والياء نصبًا وجرا وما ذكرهُ المصنف من أن المثنى والملحق بهِ يكونان بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا هو المشهور من لغة العرب وفيهِ لغة اخرى بجعل المثنى والملحق بهِ بالألف مطلقًا رفعًا ونصبًا وجرًّا فتقول جاء الزيدان كلاهما ورأيت الزيدان كلاهما ومررت بالزيدان كلاهما
ذكر المصنف قسمين يعربان بالحروف أحدهما الأسماء الستة والثاني المثنى وقد تقدم الكلام عليهما ثم ذكر في هذا البيت القسم الثالث وهو جمع المذكر السالم وما حمل عليهِ وإعرابهُ بالواو رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا وأشار بقولهِ عامر ومذنب إلى ما يجمع هذا الجمع وهو قسمان جامد وصفة فيشترط في الجامد أن يكون علمًا لمذكر عاقل خاليًا من تاء التأنيث ومن التركيب فإن لم يكن علمًا لم يجمع بالواو والنون فلا يقال في رجل رجلون نعم إذا صغر جاز ذلك نحو رجيل ورجيلون لأنهُ وصف وإن كان علمًا لغير مذكر لم يجمع بهما فلا يقال في زينب زينبون وكذا إن كان علمًا لمذكر غير عاقل فلا يقال في لاحق اسم فرس لاحقون وإن كان فيهِ تاء التأنيث فكذلك لا يجمع بهما فلا يقال في طلحة طلحون وأجاز ذلك الكوفيون وكذلك إذا كان مركبًا فلا يقال في سيبويهِ سيبويهون وأجازهُ بعضهم ويشترط في الصفة أن تكون صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث ليست من باب أفعل فعلاء ولا من باب فعلان فعلى ولا مما يستوي فيهِ المذكر والمؤنث فخرج بقولنا صفة لمذكر ما كان صفة لمؤنث فلا يقال في حائض حائضون وخرج بقولنا عاقل ما كان صفة لمذكر غير عاقل فلا يقال في سابق صفة فرس سابقون وخرج بقولنا خالية من تاء التأنيث ما كان صفة لمذكر عاقل ولكن فيهِ تاء التأنيث نحو علامة فلا يقال فيهِ علامون وخرج بقولنا ليس من باب أفعل فعلاء ما كان كذلك نحو أحمر فإن مؤنثهُ حمراء فلا يقال فيهِ أحمرون وكذلك ما كان من باب فعلان فعلى نحو سكران فان مونثهُ سكرى فلا يقال فيهِ سكرانون وكذلك إذا استوى في الوصف المذكر والمؤنث نحو صبور وجريح فإنهُ يقال رجل صبور وامرأة صبور ورجل جريح وامرأة جريح فلا يقال في جمع المذكر السالم صبورون ولا جريحون فاشار المصنف رحمهُ الله إلى الجامد الجامع للشروط التي سبق ذكرها بقولهِ "عامر" فإنهُ علم لمذكر عاقل خالٍ من تاء التأنيث ومن التركيب فيقال فيهِ عامرون وأشار إلى الصفة المذكورة أولاً بقولهِ ومذنب فإنهُ صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث ليست من باب أفعل فعلاء ولا من باب فعلان فعلى ولا مما يستوي فيهِ المذكر والمؤنث فيقال فيهِ مذنبون
أشار المصنف رحمهُ الله بقولهِ وشبه ذين إلى شبه عامر وهو كل علم مستجمع الشروط السابق ذكرها كمحمد وابرهيم فتقول محمدون وابرهيمون وإلى شبه مذنب وهو كل صفة اجتمع فيها الشروط كالأفضل والضراب ونحوهما فتقول الأفضلون والضرابون وأشار بقولهِ "وبهِ عشرون" إلى ما ألحق بجمع المذكر السالم في إعرابهِ بالواو رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا وجمع المذكر السالم هو ما سلم فيهِ بناء الواحد ووجدت فيهِ الشروط التي سبق ذكرها فما لا واحد لهُ من لفظهِ او لهُ واحد غير مستكمل للشروط فليس بجمع مذكر سالم بل هو ملحق بهِ فعشرون وبابهُ وهو ثلاثون إلى تسعين ملحق بجمع المذكر السالم لأنهُ لا واحد لهُ إذ لا يقال عشر وكذلك أهلون ملحق بهِ لأن مفرده وهو أهل ليس فيهِ الشروط المذكورة لأنهُ اسم جنس جامد كرجل وكذلك اولوا لأنهُ لا واحد لهُ من لفظهِ وعالمون جمع عالم وعالم كرجل اسم جنس جامد وعليون اسم لأعلى الجنة وليس فيهِ الشروط المذكورة لكونهِ لما لا يعقل وأرضون جمع أرض وأرض اسم جنس جامد مؤنث والسنون جمع سنة والسنة اسم جنس مؤّنث فهذه كلها ملحقة بالجمع المذكور لما سبق من أنها غير مستكملة للشروط وأشار بقولهِ وبابهُ إلى باب سنة وهو كل اسم ثلاثي حذفت لامهُ وعوض عنها هاء التأنيث ولم يكسر كمئة ومئين وثبة وثبين وهذا الاستعمال شائع في هذا ونحوه فإن كسر كشفة وشفاه لم يستعمل كذلك إلا شذوذًا كظبة فإنهم كسروهُ على ظبى وجمعوه أيضًا بالواو رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا فقالوا ظبون وظبين وأشار بقولهِ ومثل حين قد يرد ذا الباب إلى أن سنين ونحوه قد تلزمهُ الياء ويجعل الإعراب على النون فتقول هذه سنين ورأيت سنينًا ومررت بسنين وإن شئت حذفت التنوين وهو أقل من إثباتهِ واختلف في اطراد هذا والصحيح أنهُ لا يطرد وأنهُ مقصور على السماع ومنهُ قولهُ صلى الله عليهِ وسلم اللهمّ اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف في إحدى الروايتين ومثلهُ قول الشاعر
دعاني من نجدٍ فإن سنينهُ لعبنَ بنا شيبًا وشيبننا مردا
الشاهد فيه إجراء السنين مجرى الحين في الإعراب بالحركات وإلزام النون مع الإضافة
حق نون الجمع وما ألحق بهِ الفتح وقد تكسر شذوذًا ومنهُ قولهُ
عرفنا جعفرًا وبني أبيهِ وأنكرنا زعانف آخرينِ
وقولهُ
وماذا تبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حدّ الأربعينِ
وليس كسرها لغة خلاف لمَن زعم ذلك وحق نون المثنى والملحق بهِ الكسر وفتحها لغة ومنهُ قولهُ
على أحوذيينَ استقلت عشيةً فما هي إلا لمحةٌ وتغيبُ
وظاهر كلام المصنف رحمهُ الله تعالى أن فتح النون في التثنية ككسر نون الجمع في القلة وليس كذلك بل كسرها في الجمع شاذ وفتحها في التثنية لغة كما قدمناه وهل يختص الفتح بالياء أو يكون فيها وفي الألف قولان وظاهر كلام المصنف الثاني ومن الفتح مع الألف قول الشاعر
أعرف منها الجيد والعينانا ومنخرين أشبها ظبيانا
وقد قيل إنهُ مصنوع فلا يحتج بهِ
لما فرغ من الكلام عن الذي تنوب فيهِ الحروف عن الحركات شرع في ذكر ما نابت فيهِ حركة عن حركة وهو قسمان أحدهما جمع المؤنث السالم نحو مسلمات وقيد بالسالم احترازًا عن جمع التكسير وهو ما لم يسلم فيهِ بناء الواحد نحو هنود وأشار إليهِ المصنف رحمهُ الله تعالى بقولهِ وما بتاء وألف قد جمعا أي جمع بالألف والتاء المزيدتين فخرج نحو "قضاة" فإن ألفهُ غير زائدة بل هي منقلبة عن أصل وهو الياء لأن أصلهُ قضيَة ونحو أبيات فإن تاءهُ أصلية والمراد ما كانت الألف والتاء سببًا في دلالتهِ على الجمع نحو هندات فاحترز بذلك عن نحو قضاة وأبيات فإن كل واحد منهما جمع ملتبس بالألف والتاء وليس مما نحن فيهِ لأن دلالة كل واحد منهما على الجمع ليس بالألف والتاء وإنما هو بالصيغة فاندفع بهذا التقرير الاعتراض على المصنف بمثل قضاة وأبيات وعلم أنهُ لا حاجة إلى أن يقول بألف وتاء مزيدتين فالباء في قولهِ بتاء متعلقة بقولهِ "جمعا" وحكم هذا الجمع أن يرفع بالضمة وينصب ويجر بالكسرة نحو جاءني هندات ورأيت هنداتٍ ومررت بهنداتٍ فنابت فيهِ الكسرة عن الفتحة وزعم بعضهم أنهُ مبني في حالة النصب وهو فاسد إذ لا موجب لبنائهِ
أشار بقولهِ كذا أولات إلى أن أولات تجرى مجرى جمع المؤنث السالم في أنها تنصب بالكسرة وليست بجمع مؤنث سالم بل هي ملحقة بهِ وذلك لأنها لا مفرد لها من لفظها ثم أشار بقولهِ والذي اسمًا قد جعل إلى أن ما سمي بهِ من هذا الجمع والملحق بهِ نحو أذرعات ينصب بالكسرة كما كان قبل التسمية بهِ ولا يحذف منهُ التنوين نحو هذه أذرعات ورأيت أذرعات ومررت بأذرعات هذا هو المذهب الصحيح وفيهِ مذهبان آخران أحدهما أنهُ يرفع بالضمة وينصب ويجر بالكسرة ويزال منه التنوين نحو هذه أذرعات ورأيت أذرعات ومررت بأذرعات والثاني أنهُ يرفع بالضمة وينصب ويجرّ بالفتحة ويحذف منهُ التنوين نحو هذه أذرعاتُ ورأيت أذرعاتَ ومررت بأذرعاتَ ويروى قولهُ
تنوّرتها من أذرعاتَ وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي
بكسر التاء منوّنة كالمذهب الأول وبكسرها بلا تنوين كالمذهب الثاني وبفتحها بلا تنوين كالمذهب الثالث
أشار بهذا البيت إلى القسم الثاني مما ناب فيهِ حركة عن حركة وهو الاسم الذي لا ينصرف وحكمهُ أنهُ يرفع بالضمة نحو جاء أحمدُ وينصب بالفتحة نحو رأيت أحمدَ ويجرّ بالفتحة أيضًا نحو مررت بأحمدَ فنابت الفتحة عن الكسرة هذا إذا لم يضف أو يقع بعد الألف واللام فإن أضيف جر بالكسرة نحو مررت بأحمدِكم وكذا ان دخلهُ الألف واللام نحو مررت بالأحمدِ فإنهُ يجر بالكسرة
لما فرغ من الكلام على ما يعرب من الأسماء بالنيابة شرع في ذكر ما يعرب من الأفعال بالنيابة وذلك في الأمثلة الخمسة فأشار بقولهِ يفعلان إلى كل فعل اشتمل على ألف اثنين سواء كان في أولهِ الياء نحو يضربان ام التاء نحو تضربان وأشار بقولهِ وتدعين إلى كل فعل اتصل بهِ ياء المخاطبة نحو أنتِ تضربينَ وأشار بقولهِ وتسألون إلى كل فعل اتصل بهِ واو الجمع نحو أنتم تضربون سواء كان في أولهِ التاء كما مثل أو الياء نحو الزيدون يضربون فهذه الأمثلة الخمسة وهي يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها فنابت النون فيها عن الحركة التي هي الضمة نحو الزيدان يفعلان فيفعلان فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعهِ ثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها نحو الزيدان لن يقوما ولم يخرجا فعلامة النصب والجزم سقوط النون من يقوما ويخرجا ومنهُ قولهُ تعالى ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: 24]
شرع في ذكر إعراب المعتل من الأسماء والأفعال فذكر أن ما كان مثل المصطفى والمرتقي يسمى معتلًّا فاشار بالمصطفى إلى ما في آخرهِ ألف لازمة قبلها فتحة مثل عصا ورحى وأشار بالمرتقي إلى ما في آخرهِ ياء مكسور ما قبلها نحو القاضي والداعي ثم أشار إلى أن ما في آخرهِ ألف مفتوح ما قبلها يقدر فيهِ جميع حركات الإعراب الرفع والنصب والجر وأنهُ يسمى المقصور فالمقصور هو الاسم المعرب الذي في آخرهِ ألف لازمة فاحترز بالاسم من الفعل نحو يرضى وبالمعرب من المبني نحو ذا وبالألف من المنقوص نحو القاضي كما سيأتي وبلازمة من المثنى حال الرفع نحو الزيدان فإن الالف لا تلزم إذ تنقلب ياء في الجر والنصب نحو الزيدين وأشار بقولهِ والثان منقوص اي المرتقي فالمنقوص هو الاسم المعرب الذي في آخرهِ ياء لازمة قبلها كسرة نحو المرتقي فاحترز بالاسم عن الفعل نحو يرمي وبالمعرب عن المبني نحو الذي وبقولنا قبلها كسرة من التي قبلها سكون نحو ظبي ورمي فهذا معتل جارٍ مجرى الصحيح في رفعهِ بالضمة ونصبهِ بالفتحة وجرهِ بالكسرة وحكم هذا المنقوص أنهُ يظهر فيهِ النصب نحو رأيت القاضيَ قال الله تعالى ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: 31] ويقدَّر فيهِ الرفع والجر لثقلها على الياء نحو جاء القاضي ومررت بالقاضي فعلامة الرفع ضمة مقدّرة على الياء وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الياء وعلم مما ذكر أن الاسم لا يكون في آخره واو قبلها ضمة نعم إن كان مبنيًا وجد ذلك فيهِ نحو هوَ ولم يوجد ذلك في المعرب إلا في الأسماء الستة في حال الرفع نحو جاء أبوهُ وأجاز ذلك الكوفيون في موضعين آخرين أحدهما ما سمي بهِ من الفعل نحو يدعو ويغزو والثاني ما كان أعجميًا نحو سمندو وقمندو
أشار إلى أن المعتل من الأفعال هو ما كان في آخره واو قبلها ضمة نحو يغزو وياء قبلها كسرة نحو يرمي أو ألف قبلها فتحة نحو يخشى
ذكر في هذين البيتين كيفية الإعراب في الفعل المعتل فذكر أن الألف يقدر فيها غير الجزم وهو الرفع والنصب نحو زيد يخشى فيخشى مرفوع وعلامة رفعهِ ضمة مقدرة على الألف ولن يخشى فيخشى منصوب وعلامة نصبهِ فتحة مقدرة على الألف وأما الجزم فيظهر لأنهُ يحذف لهُ الحرف الاخير نحو لم يخشَ وأشار بقولهِ وأبد نصب ما كيدعو يرمي إلى أن النصب يظهر فيما آخره واو أو ياء نحو لن يدعوَ ولن يرميَ وأشار بقولهِ والرفع فيهما انو إلى أن الرفع يقدر في الواو والياء نحو يدعو ويرمي فعلامة الرفع ضمة مقدرة على الواو والياء وأشار بقولهِ واحذف جازمًا ثلاثهن إلى أن الثلاث وهي الألف والواو والياء تحذف في الجزم نحو لم يخشَ ولم يغزُ ولم يرمِ فعلامة الجزم حذف الألف والواو والياء وحاصل ما ذكره أن الرفع يقدر في الواو والالف والياء وأن الجزم يظهر في الثلاثة بحذفها والنصب يظهر في الياء والواو ويقدر في الألف
