فهرس الأبواب

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

فصل في ما ولا ولات وانْ المشبهات بليس

إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْمَعَ بَقَا ٱلنَّفْيِ وَتَرْتِيب زُكِنْ
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرّ أَوْ ظَرْف كَمَابِي أَنْتَ مَعْنِيًّا أَجَازَ ٱلْعُلَمَا

تقدم في أول باب كان وأخواتها أن نواسخ الابتداء تنقسم إلى أفعال وحروف وسبق الكلام على كان وأخواتها وهي من الأفعال الناسخة وسيأتي الكلام على الباقي وذكر المصنف في هذا الفصل من الحروف الناسخة قسمًا يعمل عمل كان وهو ما ولا ولات وإن أما ما فلغة بني تميم أنها لا تعمل شيئًا فتقول ما زيدٌ قائمٌ فزيدٌ مرفوع بالابتداء وقائم خبره ولا عمل لما في شيء منهما وذلك لأن ما حرف لا يختص لدخولهِ على الاسم نحو ما زيدٌ قائمٌ وعلى الفعل نحو ما يقوم زيدٌ وما لا يختص فحقهُ ان لا يعمل ولغة أهل الحجاز إعمالها كعمل ليس لشبهها بها في أنها لنفي الحال عند الإطلاق فيرفعون بها الاسم وينصبون بها الخبر نحو ما زيدٌ قائمًا قال الله تعالى ﴿مَا هَـٰذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31] وقال تعالى ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] وقال الشاعر

أبناؤها متكنفون أباهمُ حنق الصدور وما همُ أولادها

لكن لا تعمل عندهم إلا بشروط ستة ذكر المصنف منها أربعة الأول ان لا يزاد بعدها إن فإن زيدت بطل عملها نحو ما إن زيدٌ قائمٌ برفع قائم ولا يجوز نصبهُ وأجاز ذلك بعضهم. الثاني ان لا ينتقض النفي بإلا نحو ما زيدٌ إلا قائمٌ فلا يجوز نصب قائم خلافًا لمن أجازه. الثالث ان لا يتقدم خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا مجرور فإن تقدم وجب رفعهُ نحو ما قائمٌ زيد فلا تقول ما قائمًا زيد وفي ذلك خلاف فإن كان ظرفًا أو مجرورًا فقدمتهُ فقلت ما في الدار زيدٌ وما عندك عمرو فاختلف الناس في ما حينئذٍ هل هي عاملة او لا فمن جعلها عاملة قال إن الظرف والجار والمجرور في موضع نصب بها ومن لم يجعلها عاملة قال إنهما في موضع رفع على أنهما خبران للمبتدأ الذي بعدهما وهذا الثاني هو ظاهر كلام المصنف فإنهُ شرط في إعمالها أن يكون المبتدأ والخبر بعد ما على الترتيب الذي زكن اى علم وهذا هو المراد بقولهِ وترتيب زكن أي علم ويعني بهِ أن يكون المبتدأ مقدمًا والخبر مؤخرًا ومقتضاه أنهُ متى تقدم الخبر لا تعمل ما شيئًا سواء كان الخبر ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا ام غير ذلك وقد صرح بهذا في غير هذا الكتاب. الشرط الرابع ان لا يتقدم معمول الخبر على الاسم وهو غير ظرف ولا جار ومجرور فإن تقدم بطل عملها نحو ما طعامك زيدٌ آكلٌ فلا يجوز نصب آكل ومن أجاز بقاء العمل مع تقدم الخبر يجيز بقاء العمل مع تقدم المعمول بطريق الأولى لتاخير الخبر وقد يقال لا يلزم ذلك لما في الإعمال مع تقدم المعمول عن الفصل بين الحرف ومعمولهِ وهذا غير موجود مع تقدم الخبر فإن كان المعمول ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا لم يبطل عملها نحو ما عندك زيد مقيمًا وما بي أنت معنيًّا لأن الظروف والمجرورات يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها وهذا الشرط مفهوم من كلام المصنف لتخصيصهِ جواز تقديم معمول الخبر بما إذا كان المعمول ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا. الشرط الخامس ان لا تتكرر ما فإن تكررت بطل عملها نحو ما ما زيدٌ قائم فالأولى نافية والثانية نفت نفي النفي فبقي إثباتًا فلا يجوز نصب قائم وأجازه بعضهم. الشرط السادس ان لا يبدل من خبر ما اسم موجب فإن أبدل بطل عملها نحو ما زيد بشيء إلا شيء لا يعبأ بهِ فبشيء في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي هو زيد ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرًا عن ما وأجازه قوم وكلام سيبويه رحمهُ الله تعالى في هذه المسألة محتمل للقولين المذكورين أعني القول باشتراط ان لا يبدل من خبرها موجب والقول بعدم اشتراط ذلك فإنهُ قال بعد ذكر المثال المذكور وهو ما زيد بشيء إلى آخره استوت اللغتان يعني لغة الحجاز ولغة تميم واختلف شراح الكتاب فيما يرجع إليهِ قوله استوت اللغتان فقال قوم هو راجع إلى الاسم الواقع قبل إلا والمراد أنهُ لا عمل لما فيهِ فاستوت اللغتان في أنهُ مرفوع وهؤلاء هم الذين شرطوا في إعمال ما ان لا يبدل من خبرها موجب وقال قوم هو راجع إلى الاسم الواقع بعد إلا والمراد أنهُ يكون مرفوعًا سواء جعلت ما حجازية ام تميمية وهؤلاء هم الذين لم يشترطوا في إعمال ما ان لا يبدل من خبرها موجب وتوجيه كل من القولين وترجيح المختار منهما وهو الثاني لا يليق بهذا المختصر

وَرَفْعَ مَعْطُوف بِلٰكِنْ أَوْ بِبَلْمِنْ بَعْدِ مَنْصُوب بِمَا ٱلْزَمْ حَيْثُ حَلّ

إذا وقع بعد خبر ما عاطف فلا يخلو إما أن يكون مقتضيًا للإيجاب او لا فإن كان مقتضيًا للإيجاب تعين رفع الاسم الواقع بعده وذلك نحو بل ولكن فتقول ما زيد قائمًا لكن قاعدٌ أو بل قاعدٌ فيجب رفع الاسم على أنهُ خبر مبتدأ محذوف والتقدير لكن هو قاعد وبل هو قاعد ولا يجوز نصب قاعد عطفًا على خبر ما لأن ما لا تعمل في الموجب وإن كان الحرف العاطف غير مقتض للإيجاب كالواو ونحوها جاز الرفع والنصب والمختار النصب نحو ما زيد قائمًا ولا قاعدًا ويجوز الرفع فتقول ولا قاعدٌ وهو خبر لمبتدأ محذوف التقدير ولا هو قاعد ففهم من تخصيص المصنف وجوب الرفع بما إذا وقع الاسم بعد بل ولكن أنهُ لا يجب الرفع بعد غيرهما

وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ ٱلْبَا ٱلْخَبَرْوَبَعْدَ لَا وَنَفْيِ كَانَ قَدْ يُجَرّ

تزاد الباء كثيرًا في الخبر المنفي بليس وما نحو قولهِ تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] و﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ﴾ [الزمر: 37] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ولا تختص زيادة الباء بعد ما بكونها حجازية خلافًا لقوم بل تزاد بعدها وبعد التميمية وقد نقل سيبويه والفرّاء رحمهما الله تعالى زيادة الباء بعد ما عن بني تميم فلا التفات إلى من منع ذلك وهو موجود في أشعارهم وقد اضطرب رأي الفارسي في ذلك فمرة قال لا تزاد الباء إلا بعد الحجازية ومرة قال تزاد في الخبر المنفي وقد وردت زيادة الباء قليلًا في خبر لا كقولهِ

فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ بمغنٍ فتيلًا عن سواد بن قاربِ

وفي خبر كان المنفية بلم كقولهِ

وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ اشجع القوم أعجلُ

فِي ٱلنَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لَاوَقَدْ تَلِي لَاتَ وَإِنْ ذَا ٱلْعَمَلَا
وَمَا لِلَاتَ فِي سِوَى حِين عَمَلْوَحَذْفُ ذِي ٱلرَّفْعِ فَشَا وَٱلْعَكْسُ قَلّ

تقدم أن الحروف العاملة عمل ليس أربعة وتقدم الكلام على ما وذكر هنا لا ولات وإن أما لا فمذهب الحجازيين إعمالها عمل ليس ومذهب تميم إهمالها ولا تعمل عند الحجازيين إلا بشروط ثلاثة أحدها أن يكون الاسم والخبر نكرتين نحو لا رجل أفضل منك ومنهُ قولهُ

تعزّ فلا شيءٌ على الأرض باقيا ولا وزرٌ مما قضى الله واقيا

وقولهُ

نصرتك إذ لا صاحب غير خاذلٍ فبوّئت حصنًا بالكماة حصينا

وزعم بعضهم أنها قد تعمل في المعرفة وأنشد النابغة

بدت فعل ذي ودٍّ فلما تبعتها تولّت وبقّت حاجتي في فؤاديا وحلّت سواد القلب لا أنا باغيًا سواها ولا عن حبها متراخيا

واختلف كلام المصنف في هذا البيت فمرة قال إنهُ مؤّول ومرة قال إن القياس عليهِ سائغ. الشرط الثاني ان لا يتقدم خبرها على اسمها فلا تقول لا قائمًا رجلٌ. الشرط الثالث ان لا ينتقض النفي بإلّا فلا تقول لا رجلٌ إلا أفضل من زيد بنصب أفضل بل يجب رفعهُ ولم يتعرض المصنف لهذين الشرطين. وأما إن النافية فمذهب أكثر البصريين والفراء أنها لا تعمل شيئًا ومذهب الكوفيين خلا الفراء أنها تعمل عمل ليس وقال بهِ من البصريين أبو العباس المبرد وأبو بكر بن السرّاج وأبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني واختاره المصنف وزعم أن في كلام سيبويه رحمهُ الله تعالى إشارة إلى ذلك وقد ورد السماع بهِ قال الشاعر

إن هو مستوليًا على أحد إلا على أضعف المجانينِ

وقال آخر

إن المرء ميتًا بانقضاء حياتهِ ولكن بأن يبغى عليهِ فيخذلا

وذكر ابن جني في المحتسب أن سعيد بن جبير رضي الله عنهُ قرأ «إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالَكُمْ» [الأعراف: 194] بنصب العباد ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكونا نكرتين بل تعمل في النكرة والمعرفة فتقول إن رجلٌ قائمًا وإن زيدٌ القائم وإن زيدٌ قائمًا. وأما لات فهي لا النافية زيدت عليها تاء التأنيث مفتوحة ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر لكن اختصت بأنها لا يذكر معها الاسم والخبر معًا بل إنما يذكر معها أحدهما والكثير في لسان العرب حذف اسمها وابقاء خبرها ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3] بنصب الحين فحذف الاسم وبقي الخبر والتقدير ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ فالحينُ اسمها وحينَ مناص خبرها وقد قرئ شذوذًا ولاتَ حينُ مناص برفع الحين على أنهُ اسم لاتَ والخبر محذوف والتقدير ولاتَ حينُ مناصٍ لهم أي ولات حينُ مناص كائنًا لهم وهذا هو المراد بقولهِ وحذف ذي الرفع إلى آخر البيت وأشار بقولهِ وما للات في سوى حين عمل إلى ما ذكره سيبويه من أن لات لا تعمل إلا في الحين واختلف الناس فيهِ فقال قوم المراد أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين ولا تعمل فيما رادفهُ كالساعة ونحوها وقال قوم المراد أنها لا تعمل إلا في أسماء الزمان فتعمل في لفظ الحين وفي ما رادفهُ من أسماء الزمان ومن عملها في ما رادفهُ قول الشاعر

ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتعُ مبتغيهِ وخيمُ

وكلام المصنف محتمل للقولين وجزم بالثاني في التسهيل ومذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئًا وأنهُ إن وجد الاسم بعدها منصوبًا فناصبهُ فعل مضمر والتقدير لاتَ أرى حينَ مناصٍ وإن وجد مرفوعًا فهو مبتدأ والخبر محذوف والتقدير لاتَ حينُ مناص كائن لهم والله أعلم