النائب عن الفعل
يحذف الفاعل ويقام المفعول بهِ مقامهُ فيعطى ما كان للفاعل من لزوم الرفع ووجوب التاخير عن رافعهِ وعدم جواز حذفهِ وذلك نحو نيلَ خير نائل فخير نائل مفعول قائم مقام الفاعل والأصل نال زيدٌ خيرَ نائل فحذف الفاعل وهو زيدٌ وأقيم المفعول به مقامهُ وهو خير نائل ولا يجوز تقديمهُ فلا تقول خير نائل نيل على أن يكون مفعولًا مقدمًا بل على أن يكون مبتدأ وخبرهُ الجملة التي بعدهَ وهي نيل والمفعول القائم مقام الفاعل ضمير مستتر والتقدير نيل هو وكذلك لا يجوز حذف خير نائل فتقول نيل
يضم أوّل الفعل الذي لم يسمّ فاعلهُ مطلقًا أي سواء كان ماضيًا أو مضارعًا ويكسر ما قبل آخر الماضي ويفتح ما قبل آخر المضارع ومثال ذلك في الماضي قولك في وصل وُصل وفي المضارع قولك في ينتحي يُنتحى
إذا كان الفعل المبنى للمفعول مفتتحًا بتاء المطاوعة ضم أولهُ وثانيهِ وذلك كقولك في تدحرج تُدُحرج وفي تكسر تُكُسِر وفي تغافل تُغُوفل واذا كان مفتتحًا بهمزة وصل ضم أولهُ وثالثهُ وذلك كقولك في استحلي أُستُحلي وفي اقتدر اُقتُدر وفي انطلق اُنطُلِق
إذا كان الفعل المبني للمفعول ثلاثيًّا معتل العين فقد سمع في فائهِ ثلاثة أوجه إخلاص الكسر نحو قيل وبيع ومنهُ قولهُ
حيكت على نيرين إذ تحاكُ تختبط الشوك ولا تشاكُ
وإخلاص الضم نحو قُول وبُوع ومنهُ قولهُ
ليت وهل ينفع شيئًا ليتُ ليتَ شبابًا بوعَ فاشتريت
وهي لغة بني دبير وبني فقعس وهما من فصحاء بني أسد والإشمام وهو الإتيان بالفاء بحركة بين الضم والكسر ولا يظهر ذلك إلّا في اللفظ ولا يظهر في الخط وقد قريء في السبعة قولهُ تعالى ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: 44] بالإشمام في قيل وغيض
إذا أسند الفعل الثلاثي المعتل العين بعد بنائهِ للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب فإما أن يكون واويًّا أو يائيًّا * فإن كان واويًّا نحو سام من السوم وجب عند المصنف كسر الفاء أو الإشمام فتقول سِمت ولا يجوز الضم فلا تقول سُمت لئلا يلتبس بفعل الفاعل فإنهُ بالضم ليس إلا نحو سُمت العبد * وإن كان يائيًا نحو باع من البيع وجب عند المصنف أيضًا ضمها أو الإشمام فتقول بُعت يا عبد ولا يجوز الكسر فلا تقول بِعت لئلا يلتبس بفعل الفاعل فإنهُ بالكسر فقط نحو بعت الثوب وهذا معنى قولهِ وإن بشكل خيف لبس يجتنب أي وإن خيف اللبس في شكل من الأشكال السابقة أعني الضم والكسر والإشمام عدل عنهُ إلى شكل غيره لا لبس معهُ هذا ما ذكرهُ المصنف والذي ذكره غيرهُ أن الكسر في الواوي والضم في اليائي والإشمام هو المختار ولكن لا يجب ذلك بل يجوز الضم في الواوي والكسر في اليائي وقولهُ وما لباع قد يرى لنحو حب معناه الذي ثبت لفاء باع من جواز الضم والكسر والإشمام يثبت لفاء المضاعف نحو حب فتقول حب وحب وإن شئت أشممت
أي يثبت عند البناء للمفعول لما تليهِ العين من كل فعل يكون على وزن افتعل أو انفعل وهو معتل العين ما ثبت لفاء باع من جواز الكسر والضم والاشمام وذلك نحو اختار وانقاد وشبههما فيجوز في التاء والقاف ثلاثة أوجه الضم نحو اختور وانقود والكسر نحو اختير وانقيد والإشمام وتحرك الهمزة بمثل حركة التاء والقاف
تقدم أن الفعل إذا بني لما لم يسمّ فاعلهُ أقيم المفعول بهِ مقام الفاعل وأشار في هذا البيت إلى أنهُ إذا لم يوجد المفعول بهِ أقيم الظرف أو المصدر أو الجار والمجرور مقامهُ وشرط في كل واحدٍ منها أن يكون قابلًا للنيابة أي صالحًا لها واحترز بذلك مما لا يصلح للنيابة كالظرف الذي لا يتصرف والمراد بهِ ما لزم النصب على الظرفية نحو سحر إذا أريد بهِ سحر يوم بعينهِ ونحو عندك فلا تقول جُلِس عندك ولا ركب سحر لئلا تخرجهما عما استقر لهما في لسان العرب من لزوم النصب وكالمصادر التي لا تتصرف نحو معاذ الله فلا يجوز رفع معاذ الله لما تقدم في الظرف وكذلك ما لا فائدة فيهِ من الظرف والمصدر والجار والمجرور فلا تقول سير وقت ولا ضُرِب ضرب ولا جُلِس في الدار لأنهُ لا فائدة في ذلك ومثال القابل من كل منها قولك سِيرَ يوم الجمعة وضُرِب ضرب شديد ومُرّ بزيد
مذهب البصريين إلّا الأخفش أنهُ إذا وجد بعد الفعل المبني لما لم يسمّ فاعلهُ مفعول بهِ ومصدر وظرف وجار ومجرور تعين إقامة المفعول بهِ مقام الفاعل فتقول ضُرِبَ زيد ضربًا شديدًا يوم الجمعة أمام الأمير في دارهِ ولا يجوز إقامة غيره مقامهُ مع وجودهِ وما ورد من ذلك شاذ أو مؤّول ومذهب الكوفيين أنهُ يجوز إقامة غيرهِ وهو موجود تقدم أو تأخر فتقول ضرِبَ ضربٌ شديد زيدًا وضُرِب زيدًا ضربٌ شديد وكذلك الباقي واستدلوا لذلك بقراءة أبي جعفر ﴿لِيُجْزَىٰ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: 14] وقول الشاعر
لم يعن بالعلياء إلّا سيدًا ولا شفى ذا الغي إلا ذو الهدى
ومذهب الأخفش أنهُ إذا تقدم غير المفعول بهِ عليهِ جاز إقامة كل واحد منهما فتقول ضُرِبَ في الدار زيدًا وضُرِبَ في الدار زيدٌ وإن لم يتقدم تعين إقامة المفعول بهِ نحو ضرِبَ زيدٌ في الدار ولا يجوز ضرِبَ زيدًا في الدار
إذا بني الفعل المتعدي إلى مفعولين لما لم يسمّ فاعلهُ فإما أن يكون من باب أعطى أو من باب ظنّ فإن كان من باب أعطى وهو المراد بهذا البيت فذكر المصنف أنهُ يجوز إقامة الأول منهما وكذلك الثاني بالاتفاق فتقول كُسي زيدٌ جبةً وأُعطي عمرو درهمًا وإن شئت أقمت الثاني فتقول أُعطي عمرًا درهمٌ وكسي زيدًا جبةٌ هذا إن لم يحصل لبس بإقامة الثاني فان حصل لبس وجب إقامة الأول وذلك نحو أعطيت زيدًا عمرًا فيتعين إقامة الأول فتقول أعطي زيدٌ عمرًا ولا يجوز إقامة الثاني حينئذٍ لئلا يحصل لبس لأن كل واحد منهما يصلح أن يكون آخذًا بخلاف الأول ونقل المصنف الاتفاق على أن الثاني من هذا الباب يجوز إقامتهُ عند أمن اللبس فإن عنى بهِ أنهُ اتفاق من جهة النحويين كلهم فليس بجيد لأن مذهب الكوفيين أنهُ إذا كان الأول معرفة والثاني نكرة تعين إقامة الأول فتقول أُعطي زيدٌ درهمًا ولا يجوز عندهم إقامة الثاني فلا تقول أُعطي دِرهمٌ زيدًا
يعني أنهُ إذا كان الفعل متعديًا إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل كظن وأخواتها أو كان متعديًا إلى ثلاثة مفاعيل كأرى وأخواتها فاشتهر عند النحويين أنهُ يجب إقامة الأول ويمتنع إقامة الثاني في باب ظن والثاني والثالث في باب أعلم فتقول ظُنَّ زيدٌ قائمًا ولا يجوز ظُنَّ زيدًا قائمٌ وتقول أُعلمَ زيدٌ فرسَك مسرجًا ولا يجوز إقامة الثاني فلا تقول أُعلمَ زيدًا فرسك مسرجًا ولا يجوز إقامة الثالث فلا تقول أُعلمَ زيدًا فرسك مسرجٌ ونقل ابن أبي الربيع الاتفاق على منع إقامة الثالث ونقل الاتفاق أيضًا ابن المصنف وذهب قوم منهم المصنف إلى أنهُ لا يتعين إقامة الأول لا في باب ظنّ ولا في باب أعلم لكن في باب ظنّ يشترط ان لا يحصل لبس فتقول ظُنَّ زيدًا قائمٌ وأُعلمَ زيدًا فرسك مسرجًا وأما إقامة الثالث من باب أعلمَ فنقل ابن أبي الربيع وابن المصنف الاتفاق على منعهِ وليس كما زعما فقد نقل غيرهما الخلاف في ذلك فتقول أُعلمَ زيدًا فرسك مسرجٌ فلو حصل لبس تعين إقامة الأول في باب ظنّ وأعلمَ فلا تقول ظُنَّ زيدًا عمرو على أن عمرًا هو المفعول الثاني ولا أُعلمَ زيدًا خالدٌ منطلقًا
حكم المفعول القائم مقام الفاعل حكم الفاعل فكما أنهُ لا يرفع الفعل إلّا فاعلًا واحدًا فكذلك لا يرفع الفعل إلّا مفعولًا واحدًا فان كان الفعل لهُ مفعولان فأكثر أقمت واحدًا منهما مقام الفاعل ونصبت الباقي فتقول أُعطي زيدٌ درهمًا وأُعلم زيدٌ عمرًا قائمًا وضُرِبَ زيدٌ ضربًا شدئدًا يوم الجمعة أمام الأمير في دارهِ
