فهرس الأبواب

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

إنّ واخواتها

لِانَّ انَّ لَيْتَ لٰكِنَّ لَعَلّكَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
كَانَّ زَيْدًا عَالِمٌ بِانِّيكُفْؤٌ وَلٰكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ

هذا هو القسم الثاني من الحروف الناسخة للابتداء وهي ستة أحرف إنّ وأنّ وكأنّ ولكنّ وليت ولعلّ وعدها سيبويه خمسة فأسقط أنّ المفتوحة لأن أصلها إنّ المكسورة كما سيأتي ومعنى إنّ وأنّ التوكيد ومعنى كأنّ التشبيه ولكنّ الاستدراك وليت التمني ولعلّ الترجي والإشفاق والفرق بين الترجي والتمني أن التمني يكون في الممكن نحو ليتَ زيدًا قائمٌ وفي غير الممكن نحو ليتَ الشباب يعود يومًا وأن الترجي لا يكون إلا في الممكن فلا تقول لعلّ الشباب يعود والفرق بين الترجي والإشفاق أن الترجي يكون في المحبوب نحو لعلّ الله يرحمنا والإشفاق في المكروه نحو لعل العدو يقدم وهذه الحروف تعمل عكس عمل كانَ فتنصب الاسم وترفع الخبر نحو إنّ زيدًا قائمٌ فهي عاملة في الجزئين هذا مذهب البصريين وذهب الكوفيون إلى أنها لا عمل لها في الخبر وإنما هو باقٍ على رفعهِ الذي كان لهُ قبل دخول إن وهو خبر المبتدأ

وَرَاعِ ذَا ٱلتَّرْتِيبَ إِلَّا فِي ٱلَّذِيكَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ ٱلْبَذِي

أي يلزم تقديم الاسم في هذا الباب وتأخير الخبر إلا إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا فإنهُ لا يلزم تأخيرهُ وتحت هذا قسمان أحدهما أنهُ يجوز تقديمهُ وتأخيرهُ وذلك نحو ليتَ فيها غير البذي أو ليتَ هنا غير البذي أي الوقح فيجوز تقديم فيها وهنا على غير وتأخيرهما عنها والثاني أنهُ يجب تقديمهُ نحو ليتَ في الدار صاحبها فلا يجوز تأخير في الدار لئلا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً ولا يجوز تقديم معمول الخبر على الاسم إذا كان غير ظرف ولا مجرور نحو إن زيدًا آكل طعامك فلا يجوز في ان زيدًا آكل طعامك إن طعامك زيدًا آكل وكذا إن كان المعمول ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا نحو إنّ زيدًا واثق بك أو جالسٌ عندك فلا يجوز تقديم المعمول على الاسم فلا تقول إنّ بك زيدًا واثقٌ أو إنّ عندك زيدًا جالسٌ وأجازهُ بعضهم وجعل منهُ قولهُ

فلا تلحني فيها فإن بحبها أخاك مصاب القلب جمٌّ بلابله

وَهَمْز إِنَّ ٱفْتَحْ لِسَد مَصْدَرِمَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ ٱكْسِرِ

إن لها ثلاثة أحوال وجوب الفتح ووجوب الكسر وجواز الأمرين فيجب فتحها إذا قدرت بمصدر كما إذا وقعت في موضع مرفوع فعل نحو يعجبني أنك قائمٌ أي قيامك أو منصوبهِ نحو عرفت أنك قائمٌ أي قيامك أو في موضع مجرور بحرف نحو عجبت من أنك قائمٌ أي من قيامك وإنما قال لسد مصدر مسدها ولم يقل لسد مفرد مسدها لأنهُ قد يسد المفرد مسدها ويجب كسرها نحو ظننت زيدًا إنهُ قائمٌ فهذه يجب كسرها وإن سد مسدها مفرد لأنها في موضع المفعول الثاني ولكن لا تقدر بالمصدر إذ لا يصح ظننت زيدًا قيامهُ فإن لم يجب تقديرها بمصدر لم يجب فتحها بل تكسر وجوبًا أو جوازًا على ما سنبين وتحت هذا قسمان أحدهما وجوب الكسر والثاني جواز الفتح والكسر فأشار إلى وجوب الكسر بقولهِ

فَٱكْسِرْ فِي ٱلِٱبْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْوَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِين مُكْمِلَهْ
أَوْ حُكِيَتْ بِٱلْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلّحَال كَزُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ
وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْل عِلِّقَابِٱللَّامِ كَٱعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى

يجب الكسر في ستة مواضع الأول إذا وقعت إن ابتداء أي في أول الكلام نحو إن زيدًا قائم ولا يجوز وقوع المفتوحة ابتداء فلا تقول أنك فاضل عندي بل يجب التأخير فتقول عندي أنك فاضلٌ وأجاز بعضهم الابتداء بها. الثاني أن تقع إن صدر الصلة نحو جاء الذي إنهُ قائم ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ [القصص: 76]. الثالث أن تقع جوابًا للقسم وفي خبرها اللام نحو والله إن زيدًا لقائم وسيأتي الكلام على ذلك. الرابع أن تقع في جملة محكية بالقول نحو قلت إن زيدًا قائم قال تعالى ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30] فإن لم تحكَ بهِ بل أُجرى القول مجرى الظن فتحت نحو أتقول أنّ زيدًا قائم أي أتظن. الخامس أن تقع في جملة موضع الحال كقولهِ زرتهُ وإني ذو أمل ومنهُ قولهُ تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: 5] وقول الشاعر

ما أعطياني ولا سألتهما إلا وإني لحاجزي كرمي

السادس أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب وقد علق عنها باللام نحو علمت إنّ زيدًا لقائم وسنبين هذا في باب ظننت فإن لم يكن في خبرها اللام فتحت نحو علمت أنّ زيدًا قائم هذا ما ذكره المصنف وأورد عليهِ أنهُ نقص مواضع يجب كسر إن فيها الأول إذا وقعت بعد ألا الاستفتاحية نحو ألا إن زيدًا قائم ومنهُ قولهُ تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: 13]. الثاني اذا وقعت بعد حيث نحو اجلس حيث إنّ زيدًا جالس. الثالث إذا وقعت في جملة هي خبر اسم عين نحو زيد إنهُ قائم انتهي ولا يرد عليهِ شيء من هذه المواضع لدخولها تحت قولهِ فاكسر في الابتدا لأن هذه إنما كسرت لكونها أول جملة مبتدأ بها

بَعْدَ اذَا فجَاءَةٍ أَوْ قَسَمْلَا لَامَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي
مَعْ تِلْوِ فَا ٱلْجَزَا وَذَا يَطَّرِدفِي نَحْوِ خَيْرُ ٱلْقَوْلِ إِنِّي احْمَد

يعني أنهُ يجوز فتح إن وكسرها إذا وقعت بعد إذا الفجائية نحو خرجت فإذا إن زيدًا قائم فمن كسرها جعلها جملة والتقدير خرجت فإذا زيد قائم ومن فتحها جعلها مع صلتها مصدرًا وهو مبتدأ خبره إذا الفجائية والتقدير فإذا قيام زيد أي ففي الحضرة قيام زيد ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا والتقدير خرجت فإذا قيام زيد موجود ومما جاء بالوجهين قولهُ

وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدًا إذا أنهُ عبد القفا واللهازم

روى بفتح أن وكسرها فمن كسر جعلها جملة مستأنفة والتقدير إذا هو عبد القفا واللهازم ومن فتح جعلها مصدرًا مبتدأ وفي خبره الوجهان السابقان والتقدير على الأول فإذا عبوديتهُ أي ففي الحضرة عبوديتهُ وعلى الثاني فإذا عبوديتهُ موجودة وكذا يجوز فتح إن وكسرها إذا وقعت جواب قسم وليس في خبرها اللام نحو حلفت أنّ زيدًا قائمٌ بالفتح والكسر وقد روى بالفتح والكسر قولهُ

لتقعدنّ مقعد القصي مني ذي القاذورة المقليّ أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبيّ

ومقتضى كلام المصنف أنهُ يجوز فتح إنّ وكسرها بعد القسم إذا لم يكن في خبرها اللام سواء كانت الجملة المقسم بها فعلية والفعل فيها ملفوظ بهِ نحو حلفت إن زيدًا قائمٌ أو غير ملفوظ بهِ نحو والله إنّ زيدًا قائمٌ ام اسمية نحو لعمرك إن زيدًا قائم وكذلك يجوز الفتح والكسر إذا وقعت إن بعد فاء الجزاء نحو من يأتني فإنهُ مكرم فالكسر على جعل إن ومعمولها جملة أجيب بها الشرط فكأنهُ قال من يأتني فهو مكرم والفتح على جعل أن وصلتها مصدرًا مبتدأ والخبر محذوف والتقدير من يأتني فإكرامهُ موجود ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدا محذوف والتقدير فجزاؤهُ الإكرام ومما جاء بالوجهين قولهُ تعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] قرئ فإنهُ غفور رحيم بالفتح والكسر فالكسر على جعلها جملة جوابًا لمن والفتح على جعلها مصدرًا مبتدأ خبرهُ محذوف والتقدير فالغفران جزاؤهُ أو على جعلها خبرًا لمبتدأ محذوف التقدير فجزاؤهُ الغفران وكذلك يجوز الفتح والكسر إذا وقعت أن بعد مبتدأ هو في المعنى قول وخبر إنّ قول والقائل واحد نحو خير القول إني أحمد فمن فتح جعل أن وصلتها مصدرًا خبرًا عن خير والتقدير خير القول حمد الله فخير مبتدأ وحمد الله خبرهُ ومن كسر جعلها جملة خبرًا عن خير كما تقول أول قراءتي سبح اسم ربك الأعلى فأول مبتدأ وسبح اسم ربك الأعلى جملة خبر عن أول وكذلك خير القول مبتدأ وإني أحمد الله خبرهُ ولا تحتاج هذه الجملة إلى رابط لأنها نفس المبتدأ في المعنى فهي مثل نطقي الله حسبي ومثل سيبويه هذه المسألة بقولهِ أول ما أقول أني أحمد الله وخرج الكسر على الوجه الذي تقدم ذكرهُ وهو أنهُ من باب الإخبار بالجمل وعليهِ جرى جماعة من المتقدمين والمتأخرين كالمبرد والزجاج والسيرافي وأبي بكر بن طاهر وعليهِ أكثر النحويين

وَبَعْدَ ذَاتِ ٱلْكَسْرِ تَصْحَبُ ٱلْخَبَرْلَامُ ٱبْتِدَاءَ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ

يجوز دخول لام الابتداء على خبر إنّ المكسورة نحو إنّ زيدًا لقائمٌ وهذه اللام حقها أن تدخل على أول الكلام لأن لها صدر الكلام فحقها أن تدخل على إنّ نحو لإن زيدًا قائمٌ ولكن لما كانت اللام للتأكيد وإن للتأكيد كرهوا الجمع بين حرفين بمعنى واحد فأخروا اللام إلى الخبر ولا تدخل هذه اللام على خبر باقي أخوات إن فلا تقول لعلّ زيدًا لقائمٌ وأجاز الكوفيون دخولها على خبر لكن وأنشدوا

يلومونني في حب ليلى عواذلي ولكنني من حبها لعميدُ

وخرج على أن اللام زائدة كما شذ زيادتها في خبر أمسى نحو قولهِ

مروا عجالى فقالوا كيف سيدكم فقال من سئلوا أمسى لمجهودا

أي أمسى مجهودًا وكما زيدت في خبر المبتدأ شذوذًا كقولهِ

أمّ الحليس لعجوزٌ شهربه ترضى من اللحم بعظم الرّقبة

وأجاز المبرد دخولها على خبر أنّ المفتوحة وقد قرئ شاذًّا إلا أنهم ليأكلون الطعام بفتح أن وخرج أيضًا على زيادة اللام

وَلَا يَلِي ذِي ٱللَّامَ مَا قَدْ نُفِيَاوَلَا مِنَ ٱلْأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ كَإِنَّ ذَالَقَدْ سَمَا عَلَى ٱلْعِدَى مُسْتَحْوِذَا

إذا كان خبر إن منفيًّا لم تدخل عليهِ اللام فلا تقول إن زيدًا لما يقوم وقد ورد في الشعر كقولهِ

وأعلم إن تسليمًا وتركًا للا متشابهان ولا سواء

وأشار بقولهِ ولا من الأفعال ما كرضيا إلى أنهُ إذا كان الخبر ماضيًا متصرفًا غير مقرون بقد لم تدخل عليهِ اللام فلا تقول إن زيدًا لرضي وأجاز ذلك الكسائي وهشام فإن كان الفعل مضارعًا دخلت اللام عليهِ ولا فرق بين المتصرف نحو إن زيدًا ليرضى وغير المتصرف نحو إن زيدًا ليذر الشر هذا إذا لم تقترن بهِ السين أو سوفَ فإن اقترنت بهِ نحو إن زيدًا سوفَ يقوم أو سيقوم ففي جواز دخول اللام عليهِ خلاف فيجوز إذا كان سوف على الصحيح وأما إذا كانت السين فقليل وان كان ماضيًا غير متصرف فظاهر كلام المصنف دخول اللام عليهِ فتقول إن زيدًا لنعم الرجل وإن عمرًا لبئس الرجل وهذا مذهب الأخفش والفراء والمنقول أن سيبويه لا يجيز ذلك فإن قرن الماضي المتصرف بقد جاز دخول اللام عليهِ وهذا هو المراد بقولهِ وقد يليها مع قد نحو إن زيدًا لقد قام

وَتَصْحَبُ ٱلْوَاسِطَ مَعْمُولَ ٱلْخَبَرْوَٱلْفَصْلَ وَٱسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ ٱلْخَبَرْ

تدخل لام الابتداء على معمول الخبر إذا توسط بين الاسم والخبر نحو إن زيدًا لطعامك آكل وينبغي أن يكون الخبر حينئذٍ مما يصح دخول اللام عليهِ كما مثلنا فإن كان الخبر لا يصح دخول اللام عليهِ لم يصح دخولها على المعمول كما إذا كان الخبر فعلًا ماضيًا متصرفًا غير مقرون بقد لم يصح دخول اللام على المعمول فلا تقول إن زيدًا لطعامك أكل وأجاز ذلك بعضهم وإنما قال المصنف وتصحب الواسط أي المتوسط تنبيهًا على أنها لا تدخل على المعمول إذا تأخر فلا تقول إن زيدًا آكل لطعامك وأشعر قولهُ بأن اللام إذا دخلت على المعمول المتوسط لا تدخل على الخبر فلا تقول إن زيدًا لطعامك لآكل وذلك من جهة أنهُ خصص دخول اللام بمعمول الخبر المتوسط وقد سمع ذلك قليلًا حكي من كلامهم إني لبحمد الله لصالح وأشار بقولهِ والفصل إلى أن لام الابتداء تدخل على ضمير الفصل نحو إن زيدًا لهو القائمُ قال الله تعالى ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62] فهذا اسم إن وهو ضمير الفصل ودخلت عليهِ اللام والقصص خبر إن وسمي ضمير الفصل لأنهُ يفصل بين الخبر والصفة وذلك إذا قلت زيد هو القائم فلو لم تأت بهو لاحتمل أن يكون القائم صفة لزيد وأن يكون خبرًا عنهُ فلما أتيت بهو تعين أن يكون القائم خبرًا عن زيد وشرط ضمير الفصل أن يتوسط بين المبتدأ والخبر نحو زيدٌ هو القائم أو بين ما أصلهُ المبتدأ والخبر نحو إن زيدًا لهو القائمُ وأشار بقولهِ واسمًا حل قبلهُ الخبر إلى أن لام الابتداء تدخل على الاسم إذا تأخر عن الخبر نحو إن في الدار لزيدًا قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: 3] وكلامهُ يشعر أيضًا بأنهُ إذا دخلت اللام على ضمير الفصل أو على الاسم المتأخر لم تدخل على الخبر وهو كذلك فلا تقول إن زيدًا لهو لقائم ولا إن لفي الدار لزيدًا ومقتضى إطلاقهِ في قولهِ إن لام الابتداء تدخل على المعمول المتوسط بين الاسم والخبر أن كل معمول إذا توسط جاز دخول اللام عليهِ كالمفعول الصريح والجار والمجرور والظرف والحال وقد نص النحويون على منع دخول اللام على الحال فلا تقول إن زيدًا لضاحكًا راكب

وَوَصْلُ مَا بِذِي ٱلْحُرُوفِ مُبْطِلإِعْمَالَهَا وَقَدْ يُبقي ٱلْعَمَلُ

إذا اتصلت ما غير الموصولة بإن وأخواتها كفتها عن العمل إلا ليتَ فإنهُ يجوز فيها الإعمال والإهمال فتقول إنما زيدٌ قائمٌ ولا يجوز نصب زيد وكذلك أنّ وكأنّ ولكنّ ولعلّ وتقول ليتما زيدٌ قائمٌ وإن شئت نصبت زيد فقلت ليتما زيدًا قائمٌ وظاهر قول المصنف رحمهُ الله تعالى أن ما اذا اتصلت بهذه الأحرف كفتها عن العمل وقد تعمل قليلًا وهذا مذهب جماعة من النحويين كالزجاجي وابن السرّاج وحكى الأخفش والكسائي إنما زيدًا قائمٌ والصحيح المذهب الأول وهو انها لا يعمل منها مع ما إلا ليتَ وأما ما حكاهُ الأخفش والكسائي فشاذ واحترزنا بغير الموصولة من الموصولة فإنها لا تكفها عن العمل بل تعمل معها والمراد بالموصولة التي بمعنى الذي نحو إن ما عندك حسن أي إن الذي عندك حسن والتي هي مقدرة بالمصدر نحو إن ما فعلت حسن أي إن فعلك حسن

وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَىمَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا

أي إذا أتي بعد اسم إن وخبرها بعاطف جاز في الاسم الذي بعدهُ وجهان احدها النصب عطفًا على اسم إن نحو إن زيدًا قائمٌ وعمرًا والثاني الرفع نحو إن زيدًا قائمٌ وعمرو واختلف فيهِ فالمشهور أنهُ معطوف على محل اسم إن لانهُ في الأصل مرفوع لكونهِ مبتدأ وهذا يشعر بهِ ظاهر كلام المصنف وذهب قوم إلى أنهُ مبتدأ وخبرهُ محذوف التقدير وعمرو كذلك وهو الصحيح فإن كان العطف قبل أن تستكمل إنّ أي قبل أن تأخذ خبرها تعين النصب عند جمهور النحويين فتقول إن زيدًا وعمرًا قائمان وإنك وزيدًا ذاهبان وأجاز بعضهم الرفع

وَالْحِقَتْ بِإِنَّ لٰكِنَّ وَأَنْمِنْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَانْ

حكم أن المفتوحة ولكن في العطف على اسمها حكم إن المكسورة فتقول علمتُ أنّ زيدًا قائمٌ وعمرو برفع عمرو ونصبهِ وتقول علمت أن زيدًا وعمرًا قائمان بالنصب فقط عند الجمهور وكذلك تقول ما زيدٌ قائمًا لكنّ عمرًا منطلق وخالدًا بنصب خالد ورفعهِ وما زيدٌ قائمًا لكن عمرًا وخالدًا منطلقان بالنصب فقط وأما ليتَ ولعلّ وكأنّ فلا يجوز معها إلا النصب تقدم المعطوف أو تأخر فتقول ليتَ زيدًا وعمرًا قائمان وليتَ زيدًا قائمٌ وعمرًا بنصب عمرو في المثالين ولا يجوز رفعهُ وكذلك كأنّ ولعلّ وأجاز الفراء الرفع فيهِ متقدمًا ومتأخرًا مع الأحرف الثلاثة

وَخففَتْ إِنَّ فَقَلَّ ٱلْعَمَلُوَتَلْزَمُ ٱللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا ٱسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَامَا نَاطِقٌ ارَادَهُ مُعْتَمِدَا

إذا خففت إن فالأكثر في لسان العرب إهمالها فتقول إنْ زيدٌ لقائمٌ وإذا أُهملت لزمتها اللام فارقة بينها وبين إن النافية ويقل إعمالها فتقول إن زيدًا قائمٌ وحكى الإعمال سيبويه والأخفش رحمهما الله تعالى فلا تلزمها حينئذٍ اللام لأنها لا تلتبس والحالة هذه بالنافية لأن النافية لا تنصب الاسم وترفع الخبر وإنما تلتبس بإن النافية إذا أهملت ولم يظهر المقصود بها فإن ظهر المقصود بها فقد يستغنى عن اللام كقولهِ

ونحن أباة الضيم من آل مالكٍ وإن مالكٌ كانت كرام المعادنِ

التقدير وإن مالك لكانت فحذفت اللام لأنها لا تلتبس بالنافية لأن المعنى على الإثبات وهذا هو المراد بقولهِ وربما استغنى عنها إن بدا إلى آخر البيت واختلف النحويون في هذه اللام هل هي لام الابتداء دخلت للفرق بين إن النافية وإن المخففة من الثقيلة او هي لام أخرى اجتلبت للفرق وكلام سيبويه يدل على أنها لام الابتداء دخلت للفرق وتظهر فائدة هذا الخلاف في مسألة جرت بين أبي العافية وابن الأخضر وهي قولهُ صلى الله عليهِ وسلم قد علمنا إن كنت لمؤمنًا فمن جعلها لام الابتداء أوجب كسر إن ومن جعلها لامًا أخرى اجتلبت للفرق فتح أن وجرى هذا الخلاف في هذه المسألة قبلهما بين أبي الحسن علي بن سليمان البغدادي الأخفش الصغير وبين أبي علي الفارسي فقال الفارسي هي لام غير لام الابتداء اجتلبت للفرق وبهِ قال ابن أبي العافية وقال الأخفش الصغير إنما هي لام الابتداء دخلت للفرق وبهِ قال ابن الأخضر

وَٱلْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَاتلْفِيهِ غالبا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا

إذا خففت إن فلا يليها من الأفعال إلا الأفعال الناسخة للابتداء نحو كانَ وأخواتها وظنّ وأخواتها قال تعالى ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: 143] وقال تعالى ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: 51] وقال تعالى ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 102] ويقل أن يليها غير الناسخ وإليهِ أشار بقولهِ غالبًا ومنهُ قول بعض العرب إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه وقولهم إن قنعت كاتبك لسوطًا وأجاز الأخفش إن قام لأنا ومنهُ قول الشاعر

شلت يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمدِ

وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَٱسْمُهَا ٱسْتَكَنّوَٱلْخَبَرَ ٱجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ

إذا خففت أن المفتوحة بقيت على ما كان لها من العمل لكن لا يكون اسمها إلا ضمير الشأن محذوفًا وخبرها لا يكون إلا جملةً وذلك نحو علمت أن زيدٌ قائمٌ فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف التقدير أنهُ وزيدٌ قائمٌ جملة في موضع رفع خبر أن والتقدير علمت أنهُ زيدٌ قائمٌ وقد يبرز اسمها وهو غير ضمير الشأن كقولهِ

فلو أنكِ في يوم الرخاء سألتني طلاقكِ لم أبخل وأنتِ صديقُ

وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَاوَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فَٱلْأَحْسَنُ ٱلْفَصْلُ بِقَدْ أَوْ نَفْي أَوْتَنْفِيس أَوْ لَوْ وَقَلِيل ذِكْرُ لَوْ

إذا وقع خبر أن المخففة جملة اسمية لم يحتج إلى فاصل فتقول علمت أن زيدٌ قائمٌ من غير حرف فاصل بين أن وخبرها إلا إذا قصد النفي فيفصل بينهما بحرف النفي كقولهِ تعالى ﴿وَأَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: 14] وإن وقع خبرها جملة فعلية فلا يخلو إما أن يكون الفعل متصرفًا أو غير متصرف فإن كان غير متصرف لم يؤتَ بفاصل نحو قولهِ تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39] وقولهُ تعالى ﴿وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 185] وإن كان متصرفًا فاما أن يكون دعاء او لا فإن كان دعاء لم يفصل كقولهِ تعالى ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ [النور: 9] في قراءة من قرأ غضب بصيغة الماضي وإن لم يكن دعاء فقال قوم يجب أن يفصل بينهما إلا قليلًا وقالت فرقة منهم المصنف يجوز الفصل وتركهُ والأحسن الفصل والفاصل أحد أربعة أشياء الأول قد كقولهِ تعالى ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: 113] الثاني حرف التنفيس وهو السين أو سوف فمثال السين قولهُ تعالى ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾ [المزمل: 20] ومثال سوف قول الشاعر

واعلم فعلمُ المرء ينفعهُ أن سوفَ يأتي كل ما قدرا

الثالث النفي كقولهِ تعالى ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَن لَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: 89] وقولهُ تعالى ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: 3] وقولهُ تعالى ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: 7]. الرابع لو وقل من ذكر كونها فاصلة من النحويين ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: 16] وقولهُ تعالى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: 100] ومما جاء بدون فاصل قولهُ

علموا أنْ يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤلِ

وقولهُ تعالى «لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ» [البقرة: 233] في قراءة من رفع يتم في قول * والقول الثاني أنّ أن ليست مخففة من الثقيلة بل هي الناصبة للفعل المضارع وارتفاع يتم بعدهُ شذوذًا

وَخُفِّفَتْ كَأَنَّ أَيْضًا فَنُوِيمَنْصُوبُهَا وَثَابِتًا أَيْضًا رُوِي

إذا خففت كأنّ نوي اسمها وأخبر عنها بجملة اسمية نحو كأنْ زيدٌ قائمٌ أو جملة فعلية مصدرة بلم كقولهِ تعالى ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24] أو مصدرة بقد كقولهِ

أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد

أي وكأن قد زالت فاسم كأن في هذه الأمثلة محذوف هو ضمير الشأن والتقدير كأنهُ زيدٌ قائمٌ وكأنهُ لم تغن بالأمس وكأنهُ قد زالت والجملة التي بعدها خبر عنها وهذا معنى قولهِ فنوي منصوبها وأشار بقولهِ وثابتًا أيضًا روي إلى أنهُ قد روى إثبات منصوبها ولكنهُ قليل ومنهُ قولهُ

وصدر مشرق النحر كأن ثدييهِ حقان

فثدييهِ اسم كأن وهو منصوب بالياء لأنهُ مثنى وحقان خبر كأن وروي كأن ثدياه حقان فيكون اسم كأن محذوفًا وهو ضمير الشأن والتقدير كأنهُ وثدياه حقان مبتدأ وخبر في موضع رفع خبر كأن ويحتمل أن يكون ثدياه اسم كان وجاء بالألف على لغة من يجعل المثنى بالألف في الأحوال كلها