فهرس الأبواب

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

المفعول فيهِ وهو المسمى ظرفًا

أَلظَّرْفُ وَقْتٌ أَوْ مَكَانٌ ضُمِّنَافِي بِٱطِّرَادٍ كَهُنَا ٱمْكُثْ أَزْمُنَا

عرف المصنف الظرف بأنهُ زمان أو مكان ضمن معنى في باطراد نحو أمكث هنا أزمنًا فهنا ظرف مكان وأزمنًا ظرف زمان وكلٌّ منهما تضمن معنى في لأن المعنى امكث في هذا الموضع في أزمن واحترز بقولهِ ضمن معنى في مما لم يضمن من أسماء الزمان أو المكان معنى في كما إذا جعل اسم الزمان أو المكان مبتدأً أو خبرًا نحو يوم الجمعة يوم مبارك ويوم عرفة يوم مبارك والدار لزيد فإنهُ لا يسمى ظرفًا والحالة هذه وكذلك ما وقع منهما مجرورًا نحو سرت في يوم الجمعة وجلست في الدار على أن في هذا ونحوه خلافًا في تسميتهِ ظرفًا في الاصطلاح وكذلك ما نصب منهما مفعولًا بهِ نحو بنيت الدار وشهدت يوم الجمعة واحترز بقولهِ باطراد من نحو دخلت البيت وسكنت الدار وذهبت الشأم فإن كل واحدٍ من البيت والدار والشأم متضمن معنى في ولكن تضمنهُ معنى في ليس مطردًا لأن أسماء المكان المختصة لا يجوز حذف في معها فليس البيت والدار والشأم في المثل منصوبة على الظرفية وإنما هي منصوبة على التشبيه بالمفعول بهِ لأن الظرف هو ما تضمن معنى في باطراد وهذه متضمنة معنى في لا باطراد هذا تقرير كلام المصنف وفيهِ نظر لأنهُ إذا جعلت هذه الثلاثة ونحوها منصوبة على التشبيه بالمفعول بهِ لم تكن متضمنة معنى في لأن المفعول بهِ غير متضمن معنى في فكذلك ما شبه بهِ فلا يحتاج إلى قولهِ باطراد ليخرجها فإنها خرجت بقولهِ ما ضمن معنى في والله تعالى أعلم

فَٱنْصِبْهُ بِٱلْوَاقِعِ فِيهِ مُظْهَرَاكَانَ وَإِلَّا فَٱنْوِهِ مُقَدَّرَا

حكم ما تضمن معنى في من أسماء الزمان والمكان النصب والناصب لهُ ما وقع فيهِ وهو المصدر نحو عجبت من ضربك زيدًا يوم الجمعة عند الأمير أو الفعل نحو ضربت زيدًا يوم الجمعة أمام الأمير أو الوصف نحو أنا ضارب زيدًا اليوم عندك وظاهر كلام المصنف أنهُ لا ينصبهُ إلّا الواقع فيهِ فقط وهو المصدر وليس كذلك بل ينصبهُ هو وغيرهُ كالفعل والوصف والناصب لهُ إما مذكور كما مثل أو محذوف جوازًا نحو أن يقال متى جئت فتقول يوم الجمعة وكم سرت فتقول فرسخين والتقدير جئت يوم الجمعة وسرت فرسخين أو وجوبًا كما إذا وقع الظرف صفة نحو مررت برجل عندك أو صلة نحو جاء الذي عندك أو حالًا نحو مررتُ بزيدٍ عندك أو خبرًا في الحال أو في الأصل نحو زيد عندك وظننت زيدًا عندك فالعامل في هذا الظرف محذوف وجوبًا في هذه المواضع كلها والتقدير في غير الصلة استقرّ أو مستقرٌّ وفي الصلة استقر لأن الصلة لا تكون إلّا جملة والفعل مع فاعلهِ جملة واسم الفاعل مع فاعلهِ ليس بجملة والله أعلم

وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَايَقْبَلُهُ ٱلْمَكَانُ إِلَّا مُبْهَمَا
نَحْوُ ٱلْجِهَاتِ وَٱلْمَقَادِيرِ وَمَاصِيغَ مِنَ ٱلْفِعْلِ كَمَرْمى مِنْ رَمى

يعني أن الزمان يقبل النصب على الظرفية مبهمًا كان نحو سرت لحظة او ساعة أو مختصًا إما باضافة نحو سرت يوم الجمعة أو بوصف نحو سرت يومًا طويلًا أو بعدد نحو سرت يومين وأما اسم المكان فلا يقبل النصب منهُ إلّا نوعان أحدهما المبهم والثاني ما صيغ من المصدر بشرطهِ الذي سنذكره والمبهم كالجهات الست نحو فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف ونحو هذا وكالمقادير نحو غلوة وميل وفرسخ وبريد تقول جلست فوق الدار وسرت غلوة فتنصبهما على الظرفية وأما ما صيغ من المصدر نحو مجلس زيد ومقعده فشرط نصبهِ قياسًا أن يكون عاملهُ من لفظهِ نحو قعدت مقعد زيد وجلست مجلس عمرو فلو كان عاملهُ من غير لفظهِ تعين جره بفي نحو جلست في مرمى زيد فلا تقول جلست مرمى زيد إلّا شذوذًا ومما ورد في ذلك قولهم هو مني مقعد القابلة ومزجر الكلب ومناط الثريا أي كائن مقعد القابلة ومزجر الكلب ومناط الثريا والقياس هو مني في مقعد القابلة وفي مزجر الكلب وفي مناط الثريا ولكن نصب شذوذًا ولا يقاس عليهِ خلافًا للكسائي وإلى هذا أشار بقولهِ

وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مِقِيسًا أَنْ يَقَعْظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعَهُ ٱجْتَمَعْ

أي وشرط كون نصب ما اشتق من المصدر مقيسًا أن يقع ظرفًا لما اجتمع معهُ في أصلهِ أي أن ينتصب بما يجامعهُ في الاشتقاق من أصل واحد كمجامعة جلست بمجلس في الاشتقاق من الجلوس فأصلهما واحد وهو جلوس وظاهر كلام المصنف أن المقادير وما صيغ من المصدر مبهمان أما المقادير فذهب الجمهور الى أنها من الظروف المبهمة لأنها وإن كانت معلومة المقدار فهي مجهولة الصفة وذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنها ليست من الظروف المبهمة لأنها معلومة المقدار وأما ما صيغ من المصدر فيكون مبهمًا نحو جلست مجلسًا ومختصًا نحو جلست مجلس زيدٍ وظاهر كلامهِ أيضًا أن مرمى مشتق من رمى وليس هذا على مذهب البصريين فإن مذهبهم أنهُ مشتق من المصدر لا من الفعل فاذا تقرر أن المكان المختص وهو ما لهُ أقطار تحويهِ لا ينتصب ظرفًا فاعلم أنهُ سمع نصب كل مكان مختص مع دخل وسكن وذهب نحو دخلت البيت وسكنت الدار وذهبت الشأم واختلف الناس في ذلك فقيل هي منصوبة على الظرفية شذوذًا وقيل منصوبة على إسقاط حرف الجر والأصل دخلت في الدار فحذف حرف الجرّ فانتصب الدار نحو مررتُ زيدًا وقيل منصوبة على التشبيه بالمفعول بهِ

وَمَا يُرَى ظَرْفًا وَغَيْرَ ظَرْفِفَذَاكَ ذُو تَصَرُّف فِي ٱلْعُرْفِ
وَغَيْرُ ذِي ٱلتَّصَرُّفِ ٱلَّذِي لَزِمْظَرْفِيَّة أَوْ شِبْهَهَا مِنَ ٱلْكَلِمْ

ينقسم اسم الزمان واسم المكان إلى متصرف وغير متصرف فالمتصرف من ظروف الزمان والمكان ما استعمل ظرفًا وغير ظرف كيوم ومكان فإن كل واحد منهما يستعمل ظرفًا نحو سرت يومًا وجلست مكانًا ويستعمل مبتدأً نحو يوم الجمعة يوم مبارك ومكانك حسن وفاعلًا نحو جاء يوم الجمعة وارتفع مكانك وغير المتصرف هو ما لا يستعمل إلّا ظرفًا أو شبهه نحو سحر إذا أردتهُ من يوم بعينهِ فإن لم تردهُ من يوم بعينهِ فهو متصرف كقولهِ تعالى ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: 34] وفوق نحو جلست فوق الدار فكل واحد من سحر وفوق لا يكون إلّا ظرفًا والذي لزم الظرفية وشبهها عند والمراد بشبه الظرفية ان لا يخرج عن الظرفية إلّا باستعمالهِ مجرورًا بمن نحو خرجت من عند زيد ولا تجر عند إلّا بمن فلا يقال خرجت إلى عنده وقول العامة خرجت إلى عنده خطأ

وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانٍ مَصْدَرُوَذَاكَ فِي ظَرْفِ ٱلزَّمَانِ يَكْثُرُ

ينوب المصدر عن ظرف المكان قليلًا كقولك جلست قرب زيدٍ أي مكان قرب زيدٍ فحذف المضاف وهو مكان وأقيم المضاف إليهِ مقامهُ فأعرب بإعرابهِ وهو النصب على الظرفية ولا ينقاس ذلك فلا تقول آتيك جلوس زيد تريد مكان جلوسهِ ويكثر إقامة المصدر مقام ظرف الزمان نحو آتيك طلوع الشمس وقدوم الحاج وخروج زيدٍ والأصل وقت طلوع الشمس ووقت قدوم الحاج ووقت خروج زيدٍ فحذف المضاف وأعرب المضاف إليهِ بإعرابهِ وهو مقيس في كل مصدر