فهرس الأبواب

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

افعل التفضيل

صُغْ مِنْ مَصُوغٍ مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِأَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ وَأْبَ ٱللَّذْ أُبِي

يصاغ من الأفعال التي يجوز التعجب منها للدلالة على التفضيل وصف على وزن أفعل فتقول زيدٌ أفضل من عمرو وأكرم من خالد كما تقول ما أفضل زيدًا وما أكرم خالدًا وما امتنع بناء فعل التعجب منهُ امتنع بناء أفعل التفضيل منهُ فلا يبنى من فعل زائد على ثلاثة أحرف كدحرج واستخرج ولا من فعل غير متصرف كنعم وبئس ولا من فعل لا يقبل المفاضلة كمات وفنى ولا من فعل ناقص ككان وأخواتها ولا من فعل منفى نحو ما عاج بالدواء وما ضرب ولا من فعل يأتى الوصف منهُ على أفعل نحو حمر وعور ولا من فعل مبني للمفعول نحو ضرب وجنّ وشذ قولهم هو أخصر من كذا فبنوا أفعل التفضيل من اختصر وهو زائد على ثلاثة أحرف ومبني للمفعول وقالوا أسود من حلك الغراب وأبيض من اللبن فبنوا أفعل التفضيل شذوذًا من فعل الوصف منهُ على أفعل

وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْلِمَانِعٍ بِهِ إِلَى ٱلتَّفْضِيلِ صِلْ

تقدم في باب التعجب أنهُ يتوصل إلى التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بأشد ونحوها وأشار هنا إلى أنهُ يتوصل إلى التفضيل من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بما يتوصل بهِ في التعجب فكما تقول ما أشد استخراجه تقول هو أشد استخراجًا من زيد وكما تقول ما أشد حمرتهُ تقول هو أشد حمرة من زيد لكن المصدر ينتصب في باب التعجب بعد أشد مفعولًا وها هنا ينتصب تمييزًا

وَأَفْعَلَ ٱلتَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَاتَقْدِيرًا أَوْ لَفْظًا بِمِنْ إِنْ جُرِّدَا

لا يخلو أفعل التفضيل عن أحد ثلاثة أحوال الأول أن يكون مجردًا الثاني أن يكون مضافًا الثالث أن يكون بالألف واللام فإن كان مجردًا فلابد أن تتصل بهِ من لفظًا أو تقديرًا جارّة للمفضل عليهِ نحو زيدٌ افضل من عمرو ومررت برجل أفضل من عمرو وقد تحذف من ومجرورها للدلالة عليهما كقولهِ تعالى ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34] أي وأعز نفرًا منك وفهم من كلامهِ أن أفعل التفضيل إذا كان بأل أو مضافًا لا تصحبهُ من فلا تقول زيد الأفضل من عمرو ولا زيدٌ أفضل الناس من عمرو وأكثر ما يكون ذلك إذا كان أفعل التفضيل خبرًا كالآية الكريمة ونحوها وهو كثير في القرآن وقد تحذف منهُ وهو غير خبر كقولهِ

دنوتِ وقد خلناكِ كالبدر أجملا فظل فؤادي في هواكِ مضللا

فاجمل أفعل تفضيل وهو منصوب على الحال من التاء في دنوت وحذفت منهُ من والتقدير دنوت أجمل من البدر وقد خلناك كالبدر ويلزم أفعل التفضيل المجرد الإفراد والتذكير وكذلك المضاف إلى نكرة وإلى هذا أشار بقولهِ

وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَاأُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا

فتقول زيد أفضل من عمرو وأفضل رجل وهند أفضل من عمرو وأفضل امرأة والزيدان أفضل من عمرو وأفضل رجلين والهندان أفضل من عمرو وأفضل امرأتين والزيدون أفضل من عمرو وأفضل رجال والهندات أفضل من عمرو وأفضل نساء فيكون أفعل في هاتين الحالتين مذكرًا مفردًا ولا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع

وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْأُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
هٰذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْلَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ

إذا كان أفعل التفضيل بال لزمت مطابقتهُ لما قبلهُ في الإفراد والتذكير وغيرهما فتقول زيدٌ الأفضل والزيدان الأفضلان والزيدون الأفضلون وهند الفضلى والهندان الفضليان والهندات الفضل أو الفضليات ولا يجوز عدم مطابقتهِ لما قبلهُ فلا تقول الزيدون الأفضل ولا الزيدان الأفضل ولا هند الأفضل ولا الهندان الأفضل ولا الهندات الأفضل ولا يجوز أن تقترن بهِ من فلا تقول زيد الأفضل من عمرو فأما قولهُ

ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثرِ

فيخرّج على زيادة الالف واللام والاصل ولست بأكثر منهم أو جعل منهم متعلقًا بمحذوف مجرّد عن الالف واللام لا بما دخلت عليهِ الالف واللام والتقدير ولست بالاكثر أكثر منهم وأشار بقولهِ وما لمعرفة أضيف إلى أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة وقصد بهِ التفضيل جاز فيهِ وجهان * أحدهما استعمالهُ كالمجرّد فلا يطابق ما قبلهُ فتقول الزيدان أفضل القوم والزيدون أفضل القوم وهند أفضل النساء والهندان أفضل النساء والهندات أفضل النساء والثاني استعمالهُ كالمقرون بالألف واللام فتجب مطابقتهُ لما قبلهُ فتقول الزيدان أفضلا القوم والزيدون افضلو القوم وأفاضل القوم وهند فضلى النساء والهندان فضليا النساء والهندات فضل النساء أو فضليات النساء ولا يتعين الاستعمال الأول خلافًا لابن السراج وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن استعمالهِ غير مطابق قولهُ تعالى ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96] ومن استعمالهِ مطابقًا قولهُ تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: 123] وقد اجتمع الاستعمالان في قولهِ صلى الله عليهِ وسلم ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون فالذين أجازوا الوجهين قالوا الأفصح المطابقة ولهذا عيب على صاحب الفصيح في قولهِ فاخترنا أفصحهن قال وكان ينبغي أن يأتي بالفصحى فيقول فصحاهن فإن لم يقصد التفضيل تعينت المطابقة كقولهم الناقص والأشج أعدلا بني مروان أي عادلا بني مروان وإلى ما ذكرناهُ من قصد التفضيل وعدم قصدهِ أشار المصنف بقولهِ هذا إذا نويت معنى من البيت أي جواز الوجهين أعني المطابقة وعدمها مشروط بما إذا نوى بالإضافة معنى من أي إذا نوى التفضيل وأما إذا لم ينوَ ذلك فيلزم أن يكون طبق ما اقترن بهِ قيل ومن استعمال صيغة أفعل التفضيل لغير التفضيل قولهُ تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] وقولهُ تعالى ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: 54] أي وهو هين عليهِ وربكم عالم بكم وقول الشاعر

وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجلُ

أي لم يكن بعجلهم وقولهُ

إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمهُ أعزٌّ وأطول

أي دعائمهُ عزيزة طويلة وهل ينقاس ذلك او لا قال المبرد ينقاس وقال غيره لا ينقاس وهو الصحيح وذكر صاحب الواضح أن النحويين لا يرون ذلك وأن أبا عبيدة قال في قولهِ تعالى ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] إنهُ بمعنى هين وفي بيت الفرزدق وهو الثاني إن المعنى عزيزة طويلة وإن النحويين ردّوا على أبي عبيدة ذلك وقالوا لا حجة في ذلك لهُ

وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَافَلَهُمَا كُنْ أَبَدًا مُقَدِّمَا
كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ وَلَدَىإِخْبَارٍ ٱلتَّقْدِيمُ نَزْرًا وَرَدَا

تقدم أن أفعل التفضيل إذا كان مجردًا جيء بعده بمن جارّة للمفضل عليهِ نحو زيدٌ أفضل من عمرو ومن ومجرورها معهُ بمنزلة المضاف إليهِ من المضاف فلا يجوز تقديمها كما لا يجوز تقديم المضاف إليهِ على المضاف إلا إذا كان المجرور بها اسم استفهام أو مضافًا إلى اسم استفهام فإنهُ يجب حينئذٍ تقديم من ومجرورها نحو ممن أنت خير ومن أيهم أنت أفضل ومن غلام أيهم أنت أفضل وقد ورد التقديم شذوذًا في غير الاستفهام وإليهِ أشار بقولهِ ولدى إخبار التقديم نزرًا وردا * ومن ذلك قولهُ

فقالت لنا أهلًا وسهلًا وزوّدت جنى النحل بل ما زوّدت منهُ أطيبُ

التقدير بل ما زوّدت أطيب منهُ وقول ذي الرمة يصف نسوة بالسمن والكسل

ولا عيب فيها غير أن سريعها قطوف وأن لا شيء منهنّ أكسل

التقدير وأن لا شيء أكسل منهنّ وقولهُ

إذا سايرت أسماء يومًا ظعينةً فأسماء من تلك الظعينة أملح

التقدير فأسماء املح من تلك الظعينة

وَرَفْعُهُ ٱلظَّاهِرَ نَزْرٌ وَمَتَىعَاقَبَ فِعْلًا فَكَثِيرًا ثَبَتَا
كَلَنْ تَرَى فِي ٱلنَّاسِ مِنْ رَفِيقِأَوْلَى بِهِ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱلصِّدِّيقِ

لا يخلو أفعل التفضيل من أن يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعهُ او لا فإن لم يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعهُ لم يرفع ظاهرًا وإنما يرفع ضميرًا مستترًا نحو زيدٌ أفضل من عمرو ففي أفضل ضمير مستتر عائد على زيد فلا تقول مررت برجل أفضل منهُ أبوه فترفع أبوه بافضل إلا في لغة ضعيفة حكاها سيبويه فإن صلح لوقوع فعل بمعناه موقعهُ صحّ أن يرفع ظاهرًا قياسًا مطردًا وذلك في كل موضع وقع فيهِ أفعل بعد نفي أو شبههِ وكان مرفوعهُ أجنبيًا مفضلًا على نفسهِ باعتبارين نحو ما رأيت رجلًا أحسن في عينهِ الكحل منهُ في عين زيد فالكحل مرفوع باحسن لصحة وقوع فعل بمعناه موقعهُ نحو ما رأيت رجلًا يحسن في عينهِ الكحل كزيد ومثلهُ قولهُ صلى الله عليهِ وسلم ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منهُ في عشر ذي الحجة وقول الشاعر أنشده سيبويه

مررت على وادي السباع ولا أرى كوادي السباع حين يظلم واديا أقل بهِ ركب أتوهُ تئيةً وأخوف إلا ما وقى الله ساريا

فركب مرفوع بأقل فقول المصنف ورفعهُ الظاهر نزر إشارة إلى الحالة الأولى وقولهُ ومتى عاقب فعلًا إشارة إلى الحالة الثانية