Chapter index

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

الفاعل

أَلْفَاعِلِ ٱلَّذِي كَمَرْفُوعَيْ أَتَىزَيْدٌ مُنِيرًا وَجْهُهُ نِعْمَ ٱلْفَتَى

لما فرغ من الكلام على نواسخ الابتداء شرع في ذكر ما يطلبهُ الفعل التام من المرفوع وهو الفاعل أو نائبهُ وسيأتي الكلام على نائبهِ في الباب الذي يلي هذا الباب فأما الفاعل فهو الاسم المسند إليهِ فعل على طريقة فعَلَ أو شبههِ وحكمهُ الرفع والمراد بالاسم ما يشمل الصريح نحو قام زيد والمؤّول بهِ نحو يعجبني أن تقوم أي قيامك فخرج بالمسند إليهِ فعل ما أسند إليهِ غيرهُ نحو زيدٌ أخوك أو جملة نحو زيدٌ قام أبوه أو زيد قام أو ما هو في قوة الجملة نحو زيد قائمٌ غلامهُ أو زيدٌ قائمٌ أي هو وخرج بقولنا على طريقة فعَلَ ما أسند إليهِ فعل على طريقة فُعِل وهو النائب عن الفاعل نحو ضُرِب زيدٌ والمراد بشبه الفعل المذكور اسم الفاعل نحو أقائم الزيدان والصفة المشبهة نحو زيد حسن وجههُ والمصدر نحو عجبت من ضرب زيد عمرًا واسم الفعل نحو هيهات العقيق والظرف والجار والمجرور نحو زيدٌ عندك غلامهُ أو في الدار غلاماهُ وأفعل التفضيل نحو مررت بالأفضل أبوه فأبوه مرفوع بالأفضل وإلى ما ذكر أشار المصنف بقولهِ كمرفوعي أتى الى اخره والمراد بالمرفوعين ما كان مرفوعًا بالفعل أو بشبه الفعل كما تقدّم ذكرهُ ومثل للمرفوع بالفعل بمثالين أحدهما ما رفع بفعل متصرف نحو أتى زيدٌ والثاني ما رفع بفعل غير متصرف نحو نعم الفتى ومثل للمرفوع بشبه الفعل بقولهِ منيرًا وجههُ

وَبَعْدَ فِعْل فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْفَهْوَ وَإِلَّا فَضَمِيرٌ ٱسْتَتَرْ

حكم الفاعل التاخير عن رافعهِ وهو الفعل أو شبههُ نحو قام الزيدان وزيد قائمٌ غلاماهُ وقام زيدٌ ولا يجوز تقديمهُ على رافعهِ فلا تقول الزيدان قام ولا زيدٌ غلاماهُ قائمٌ ولا زيدٌ قامَ على أن يكون زيدٌ فاعلًا مقدمًا بل على أن يكون مبتدأ والفعل بعده رافع لضمير مستتر التقدير زيدٌ قام هو وهذا مذهب البصريين وأما الكوفيون فأجازوا التقديم في ذلك كلهِ وتظهر فائدة الخلاف في غير الصورة الأخيرة وهي صورة الإفراد نحو زيدٌ قام فتقول على مذهب الكوفيين الزيدان قام والزيدون قام وعلى مذهب البصريين يجب أن تقول الزيدان قاما والزيدون قاموا فتأتي بألف وواو في الفعل ويكونان هما الفاعلين وهذا معنى قولهِ وبعد فعل فاعل وأشار بقولهِ فإن ظهر الي اخره إلى أن الفعل وشبههُ لا بد لهُ من مرفوع فإن ظهر فلا إضمار نحو قام زيدٌ وإن لم يظهر فهو مضمر نحو زيدٌ قام أي هو

وَجَرِّدِ ٱلْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَالِٱثْنَيْنِ أَوْ جَمْع كَفَازَ ٱلشُّهَدَا
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُواوَٱلْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مسند

مذهب جمهور العرب أنهُ إذا أسند الفعل إلى ظاهر مثنى أو مجموع وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع فيكون كحالهِ إذا أسند إلى مفرد فتقول قام الزيدان وقام الزيدون وقامت الهندات كما تقول قام زيدٌ ولا تقول على مذهب هؤلاء قاما الزيدان ولا قاموا الزيدون ولا قمن الهندات فتأتي بعلامة في الفعل الرافع للظاهر على أن يكون ما بعد الفعل مرفوعًا بهِ وما اتصل بالفعل من الألف والواو والنون حروف تدل على تثنية الفاعل أو جمعهِ بل على أن يكون الاسم الظاهر مبتدأ مؤخرا والفعل المتقدم وما اتصل بهِ اسمًا في موضع رفع بهِ والجملة في موضع رفع خبرًا عن الاسم المتأخر ويحتمل وجهًا آخر وهو أن يكون ما اتصل بالفعل مرفوعًا بهِ كما تقدم وما بعده بدل مما اتصل بالفعل من الأسماء المضمرة أعني الألف والواو والنون ومذهب طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب كما نقل الصفار في شرح الكتاب أن الفعل إذا أسند إلى ظاهر مثنى أو مجموع أتى فيهِ بعلامة تدل على التثنية أو الجمع فتقول قاما الزيدان وقاموا الزيدون وقمن الهندات فتكون الألف والواو والنون حروفًا تدل على التثنية والجمع كما كانت التاء في قامت هند حرفًا تدل على التأنيث عند جميع العرب والاسم الذي بعد الفعل المذكور مرفوع بهِ كما ارتفعت هند بقامت ومن ذلك قولهُ

تولى قتال المارقين بنفسهِ وقد أسلماهُ مبعدٌ وحميمُ

وقولهُ

يلومونني في اشتراء النخيل أهلي فكلهم يعذلُ

وقولهُ

رأينَ الغواني الشيبَ لاح بعارضي فأعرضنَ عني بالخدودِ النواضرِ

فمبعدٌ وحميمُ مرفوعان بقولهِ أسلماه والألف في أسلماه حرف يدل على كون الفاعل اثنين وكذلك أهلي مرفوع بقولهِ يلومونني والواو حرف يدل على الجمع والغواني مرفوع برأين والنون حرف يدل على جمع المؤنث وإلى هذه اللغة أشار المصنف بقولهِ وقد يقال سعدا وسعدوا إلى آخر البيت ومعناه أنهُ قد يؤتى في الفعل المسند إلى الظاهر بعلامة تدل على التثنية أو الجمع فأشعر قولهُ وقد يقال بأن ذلك قليل والأمر كذلك وإنما قال والفعل الظاهر بعد مسند لينبه على أن مثل هذا التركيب إنما يكون قليلًا إذا جعلت الفعل مسندًا إلى الظاهر الذي بعدهُ فاما إذا جعلتهُ مسندًا إلى المتصل بهِ من الألف والواو والنون وجعلت الظاهر مبتدأ أو بدلًا من المضمر فلا يكون ذلك قليلًا وهذه اللغة القليلة هي التي يعبر عنها النحويون بلغة أكلوني البراغيث وعبر عنها المصنف في كتبهِ بلغة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فالبراغيث فاعل أكلوني وملائكة فاعل يتعاقبون هكذا زعم المصنف

وَيَرْفَعُ ٱلْفَاعِلَ فِعْل اَضْمِرَاكَمِثْلِ زَيْدٌ فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا

إذا دل دليل على الفعل جاز حذفهُ وإبقاء فاعلهِ كما إذا قيل لك من قرأ فتقول زيدٌ التقدير قرأ زيد وقد يحذف الفعل وجوبًا كقولهِ تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: 6] فأحد فاعل بفعل محذوف وجوبًا والتقدير وإن استجارك أحد استجارك وكذلك كل اسم مرفوع وقع بعد إن أو إذا فإنهُ مرفوع بفعل محذوف وجوبًا ومثال ذلك في إذا قولهُ تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] فالسماء فاعل بفعل محذوف والتقدير إذا انشقت السماء انشقت وهذا مذهب جمهور النحويين وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب الاشتغال إن شاء الله تعالى

وَتَاءُ تَانِيثٍ تَلِي ٱلْمَاضِي اذاكَانَ لِأُنْثَى كَأَبَتْ هِنْدُ ٱلْاذى

إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث لحقتهُ تاء ساكنة تدل على كون الفاعل مؤنثًا ولا فرق في ذلك بين الحقيقي والمجازي نحو قامت هند وطلعت الشمس لكن لها حالتان حالة لزوم وحالة جواز وسيأتي الكلام على ذلك

وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِمتصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ

تلزم تاء التأنيث الساكنة الفعل الماضي في موضعين أحدهما أن يسند الفعل إلى ضمير مؤنث متصل ولا فرق في ذلك بين المؤنث الحقيقي والمجازي فتقول هند قامت والشمس طلعت ولا تقول قامَ ولا طلعَ فإن كان الضمير منفصلًا لم يؤت بالتاء نحو هند ما قام إلا هي الثاني أن يكون الفاعل ظاهرًا حقيقي التأنيث نحو قامت هند وهو المراد بقولهِ أو مفهم ذات حر وأصل حر حرح فحذفت لام الكلمة وفهم من كلامهِ أن التاء لا تلزم في غير هذين الموضعين فلا تلزم في المؤنث المجازي الظاهر فتقول طلع الشمس وطلعت الشمس ولا في الجمع على ما سيأتي تفصيلهُ

وَقَدْ يُبِيحُ ٱلْفَصْلُ تَرْكَ ٱلتَّاءِ فِينَحْوِ أَتَى ٱلْقَاضِي بِنْتُ ٱلْوَاقِفِ

إذا فصل بين الفعل وفاعلهِ المؤنث الحقيقي بغير إلّا جاز إثبات التاء وحذفها والأجود الإثبات فتقول أتى القاضي بنت الواقف والأجود أتت وتقول قام اليوم هند والأجود قامت

وَٱلْحَذْفُ مَعْ فَصْل بِإِلَّا فُضِّلَاكَمَا زَكَا إِلَّا فَتَاةُ ٱبْنِ ٱلْعَلَا

اذا فصل بين الفعل والفاعل المؤنث بالّا لم يجز إثبات التاء عند الجمهور فتقول ما قام إلا هند وما طلع إلا الشمس ولا يجوز ما قامت إلا هند ولا ما طلعت إلا الشمس وقد جاء في الشعر كقولهِ

وما بقيتْ إلا الضلوع الجراشعُ

فقول المصنف إن الحذف مفضل على الإثبات يشعر بأن الإثبات أيضًا جائز وليس كذلك لأنهُ إن أراد بهِ أنهُ مفضل عليهِ باعتبار أنهُ ثابت في النثر والنظم وأن الإثبات إنما جاء في الشعر فصحيح وإن أراد أن الحذف أكثر من الإثبات فغير صحيح لأن الإثبات قليل جدًّا

وَٱلْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَصْل وَمَعْضَمِيرِ ذِي ٱلْمَجَازِ فِي شِعْر وَقَعْ

قد تحذف التاء من الفعل المسند إلى مؤنث حقيقي من غير فصل وهو قليل جدًّا حكى سيبويه قال فلانة وقد تحذف التاء من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث المجازي وهو مخصوص بالشعر كقولهِ

فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها

وَٱلتَّاءُ مَعْ جَمْع سِوَى ٱلسَّالِمِ مِنْمُذَكَّر كَٱلتَّاءِ مَعْ إِحْدَى ٱللَّبِنْ
وَٱلْحَذْفُ فِي نِعْمَ ٱلْفَتَاةُ ٱسْتَحْسَنُوالِأَنَّ قَصْدَ ٱلْجِنْسِ فِيهِ بَيِنْ

إذا أسند الفعل إلى جمع فإما أن يكون جمع سلامة لمذكر او لا فإن كان جمع سلامة لمذكر لم يجز اقتران الفعل بالتاء فتقول قام الزيدون ولا يجوز قامت الزيدون وإن لم يكن جمع سلامة لمذكر بأن كان جمع تكسير لمذكر كالرجال أو لمؤنث كالهنود أو جمع سلامة لمؤنث كالهندات جاز إثبات التاء وحذفها فتقول قام الرجال وقامت الرجال وقام الهنود وقامت الهنود وقام الهندات وقامت الهندات فإثبات التاء لتأولهِ بالجماعة وحذفها لتأولهِ بالجمع وأشار بقولهِ كالتاء مع إحدى اللبن إلى أن التاء مع جمع التكسير وجمع السلامة لمؤنث كالتاء مع الظاهر المجازي التأنيث كلبنة كما تقول كسر اللبنة وكسرت اللبنة تقول قام الرجال وقامت الرجال وكذلك باقي ما تقدم وأشار بقولهِ والحذف في نعم الفتاة إلى آخر البيت إلى أنهُ يجوز في نعم وأخواتها إذا كان فاعلها مؤنثًا إثبات التاء وحذفها وإن كان مفردًا مؤنثًا حقيقيًا فتقول نعم المرأة هند ونعمت المرأة هند وإنما جاز ذلك لأن فاعلها مقصود بهِ استغراق الجنس فعومل معاملة جمع التكسير في جواز إثبات التاء وحذفها لشبهه بهِ في أن المقصود بهِ متعدد ومعنى قولهِ استحسنوا أن الحذف في هذا ونحوه حسن ولكن الإثبات أحسن منهُ

وَٱلْأَصْلُ فِي ٱلْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَاوَٱلْأَصْلُ فِي ٱلْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَا
وَقَدْ يجَاءُ بِخِلَافِ ٱلْأَصْلِوَقَدْ يَجِي ٱلْمَفْعُولُ قَبْلَ ٱلْفِعْلِ

الأصل أن يلي الفاعل الفعل من غير أن يفصل بينهُ وبين الفعل فاصل لأنهُ كالجزء منهُ ولذلك يسكن لهُ آخر الفعل إن كان ضمير متكلم أو مخاطب نحو ضربتُ وضربتَ وإنما سكنوه كراهة توالي أربع متحركات وهم إنما يكرهون ذلك في الكلمة الواحدة فدل ذلك على أن الفاعل مع فعلهِ كالكلمة الواحدة والأصل في المفعول أن ينفصل عن الفعل بأن يتأخر عن الفاعل ويجوز تقديمهُ على الفاعل إن خلا مما سنذكره فتقول ضربَ زيدًا عمرو وهذا معنى قولهِ وقد يجاء بخلاف الأصل وأشار بقولهِ وقد يجي المفعول قبل الفعل إلى أن المفعول قد يتقدم على الفعل وتحت هذا قسمان أحدهما ما يجب تقديمهُ وذلك كما إذا كان المفعول اسم شرط نحو أيًّا تضرب أضرب أو اسم استفهام نحو أي رجل ضربت أو كم الخبرية نحو كم غلام ملكت اي كثيرًا من الغلمان او ضميرًا منفصلًا لو تأخر لزم اتصالهُ نحو إياك نعبد فلو اخرت المفعول للزم الاتصال وكان يقال نعبدك فيجب التقديم بخلاف قولك الدرهم إياه أعطيتك فإنهُ لا يجب تقديم إياه لأنك لو أخرتهُ لجاز اتصالهُ وانفصالهُ على ما تقدم في باب المضمرات فكنت تقول الدرهم أعطيتكه وأعطيتك إياه والثاني ما يجوز تقديمهُ وتأخيره نحو ضرب زيد عمرًا فتقول عمرًا ضربَ زيدٌ

وَأَخِّرِ ٱلْمَفْعُولَ إِنْ لَبْسٌ حُذِرْأَوْ اُضْمِرَ ٱلْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ

يجب تقديم الفاعل على المفعول إذا خيف التباس أحدهما بالآخر كما إذا خفي الإعراب فيهما ولم توجد قرينة تبين الفاعل من المفعول وذلك نحو ضرب موسى عيسى فيجب كون موسى فاعلًا وعيسى مفعولًا وهذا مذهب الجمهور وأجاز بعضهم تقديم المفعول في هذا ونحوه واحتج بان العرب لها غرض في الالتباس كما لها غرض في التبيين فإذا وجدت قرينة تبين الفاعل من المفعول جاز تقديم المفعول وتأخيره فتقول أكل موسى الكمثرى وأكل الكمثرى موسى وهذا معنى قولهِ وأخر المفعول إن لبس حذر * ومعنى قولهِ أو أضمر الفاعل غير منحصر أنهُ يجب أيضًا تقديم الفاعل وتأخير المفعول إذا كان الفاعل ضميرًا غير محصور نحو ضربت زيدًا فإن كان ضميرًا محصورًا وجب تأخيره نحو ما ضرب زيدًا إلا أنا

وَمَا بِإِلَّا أَوْ بِإِنَّمَا ٱنْحَصَرْأَخِّرْ وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ

يقول إذا حصر الفاعل أو المفعول بالا أو بانما وجب تأخيره وقد يتقدم المحصور من الفاعل أو المفعول على غير المحصور إذا ظهر المحصور من غيره وذلك كما إذا كان الحصر بالا فأما إذا كان الحصر بانما فإنهُ لا يجوز تقديم المحصور إذ لا يظهر كونهُ محصورًا إلا بتأخيره بخلاف المحصور بالا فإنهُ يعرف بكونهِ واقعًا بعد إلا فلا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر فمثال الفاعل المحصور بإنما قولك إنما ضرب عمرًا زيدٌ ومثال المفعول المحصور بإنما إنما ضرب زيدٌ عمرًا ومثال الفاعل المحصور بالا ما ضرب عمرًا إلا زيد ومثال المفعول المحصور بإلا ما ضرب زيد إلا عمرًا ومثال تقدم الفاعل المحصور بالا قولك ما ضرب إلا زيد عمرًا ومنهُ قولهُ

فلم يدرِ إلا اللهُ ما هيجت لنا عشيةَ آناء الديار وشامها

ومثال تقديم المفعول المحصور بإلا قولك ما ضرب إلا عمرًا زيد ومنهُ قولهُ

تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها

هذا معنى كلام المصنف واعلم أن المحصور بانما لا خلاف في أنهُ لا يجوز تقديمه وأما المحصور بالإ ففيه ثلاثة مذاهب أحدها وهو مذهب أكثر البصريين والفراء وابن الأنباري أنهُ لا يخلو إما أن يكون المحصور بها فاعلًا أو مفعولًا فإن كان فاعلًا امتنع تقديمهُ فلا يجوز ما ضرب إلا زيدٌ عمرًا واما قولهُ فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا فأُول على أن ما هيجت مفعول بفعل محذوف والتقدير درى ما هيجت لنا فلم يتقدم الفاعل المحصور على المفعول لأن هذا ليس مفعولًا للفعل المذكور وإن كان المحصور مفعولًا جاز تقديمهُ فتقول ما ضرب إلا عمرًا زيدٌ الثاني وهو مذهب الكسائي أنهُ يجوز تقديم المحصور بالا فاعلًا كان أو مفعولًا الثالث وهو مذهب بعض البصريين واختاره الجزولي والشلوبين أنهُ لا يجوز تقديم المحصور بالا فاعلًا كان أو مفعولًا

وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْوَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ ٱلشَّجَرْ

أي شاع في لسان العرب تقديم المفعول المشتمل على ضمير يرجع إلى الفاعل المتأخر وذلك نحو خاف ربهُ عمر فربهُ مفعول وقد اشتمل على ضمير يرجع إلى عمر وهو الفاعل وإنما جاز ذلك وإن كان فيهِ عود الضمير على متأخر لفظًا لأن الفاعل منوي التقديم على المفعول لأن الأصل في الفاعل أن يتصل بالفعل فهو متقدم رتبةً وإن تأخر لفظًا فلو اشتمل المفعول على ضمير يرجع إلى ما اتصل بالفاعل فهل يجوز تقديم المفعول على الفاعل في ذلك خلاف وذلك نحو ضرب غلامها جار هند فمن أجازها وهو الصحيح وجه الجواز بأنهُ لما عاد الضمير على ما اتصل بما رتبتهُ التقديم كان كعودهِ على ما رتبتهُ التقديم لأن المتصل بالمتقدم متقدم وقولهُ وشذ إلى آخرهِ أي وشذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر وذلك نحو زان نورهُ الشجر فالهاء المتصلة بنور الذي هو الفاعل عائدة على الشجر وهو المفعول وإنما شذ ذلك لأن فيه عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً لأن الشجر مفعول وهو متأخر لفظًا والأصل فيهِ أن ينفصل عن الفعل فهو متأخر رتبةً وهذه المسألة ممنوعة عند جمهور البصريين من النحويين وما ورد من ذلك تأوّلوهُ وأجازها أبو عبد الله الطوال من الكوفيين وأبو الفتح ابن جنى وتابعهما المصنف ومما ورد من ذلك قولهُ

لما رأى طالبوهُ مصعبًا ذعروا وكاد لو ساعد المقدور ينتصرُ

وقولهُ

كسا حلمهُ ذا الحلم أثواب سؤددٍ ورقى نداهُ ذا الندى في ذرى المجدِ

وقولهُ

ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا من الناس أبقى مجدهُ الدهر مطعما

وقولهُ

جزى ربهُ عني عديّ بن حاتمٍ جزاء الكلاب العاويات وقد فعل

وقولهُ

جزى بنوهُ أبا الغيلان عن كبرٍ وحسن فعلٍ كما يجزي سنمار

فلو كان الضمير المتصل المتقدم عائدًا على ما اتصل بالمفعول المتأخر امتنعت المسألة وذلك نحو ضرب بعلها صاحب هند وقد نقل بعضهم في هذه المسألة أيضًا خلافًا والحق فيها المنع