تعدّي الفعل ولزومهُ
ينقسم الفعل إلى متعدّ ولازم فالمتعدي هو الذي يصل إلى مفعولهِ بغير حرف جرّ نحو ضربت زيدًا واللازم ما ليس كذلك وهو ما لا يصل إلى مفعولهِ إلّا بحرف جر نحو مررت بزيدٍ أو لا مفعول لهُ نحو قام زيدٌ ويسمى ما يصل إلى مفعولهِ بنفسهِ فعلًا متعديًا وواقعًا ومجاوزًا وما ليس كذلك يسمى لازمًا وقاصرًا وغير متعدٍ ويسمى متعديًا بحرف جر. وعلامة الفعل المتعدي أن تتصل بهِ هاء تعود على غير المصدر وهي هاء المفعول بهِ نحو الباب أغلقتهُ واحترز بهاء غير المصدر من هاء المصدر فإنها تتصل بالمتعدي واللازم فلا تدل على تعدي الفعل ولزومهِ فمثال المتصلة بالمتعدي الضرب ضربتهُ زيدًا أي ضربت الضرب زيدًا ومثال المتصلة باللازم القيام قمتهُ أي قمت القيام
شأن الفعل المتعدي أن ينصب مفعولهُ إن لم ينب عن فاعلهِ نحو تدبرت الكتب فإن ناب عنهُ وجب رفعهُ كما تقدم نحو تدبرت الكتب وقد يرفع المفعول بهِ وينصب الفاعل عند أمن اللبس كقولهم خرق الثوب المسمار ولا ينقاس ذلك بل يقتصر فيهِ على السماع والأفعال المتعدية على ثلاثة أقسام أحدها ما يتعدى إلى مفعولين وهي قسمان أحدهما ما أصل المفعولين فيهِ المبتدأ والخبر كظنّ وأخواتها والثاني ما ليس أصلهما ذلك كأعطى وكسا والقسم الثاني ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل كأعلم وأرى والقسم الثالث ما يتعدى إلى مفعول واحد كضرب ونحوه
اللازم هو ما ليس بمتعدٍ وهو ما لا يتصل بهِ هاء ضمير غير المصدر ويتحتم اللزوم لكل فعل دال على سجية وهي الطبيعة نحو شرف وكرم وظرف ونهم وكذا كل فعل على وزن افعللّ نحو اقشعرّ واطمأن أو على وزن أفعنلل نحو اقعنسس واحرنجم أو دلّ على نظافة كطهر الثوب ونظف أو على دنس كدنس الثوب ووسخ أو دل على عرض نحو مرض زيدٌ واحمرّ أو كان مطاوعًا لما تعدى إلى مفعول واحد نحو مددت الحديد فامتدّ ودحرجت زيدًا فتدحرج واحترز بقولهِ لواحد مما طاوع المتعدي إلى اثنين فإنهُ لا يكون لازمًا بل يكون متعديًا إلى مفعول واحد نحو فهمت زيدًا المسألة ففهمها وعلمتهُ النحو فتعلمهُ
تقدم أن الفعل المتعدي يصل إلى مفعولهِ بنفسهِ وذكر هنا أن الفعل اللازم يصل إلى مفعولهِ بحرف جر نحو مررت بزيدٍ وقد يحذف حرف الجر فيصل إلى مفعولهِ بنفسهِ نحو مررت زيدًا قال الشاعر
تمرّون الديار ولم تعوجوا كلامكم عليّ إذًا حرامُ
أي تمرون بالديار ومذهب الجمهور أنهُ لا ينقاس حذف حرف الجر مع غير أنّ وأنْ بل يقتصر فيهِ على السماع وذهب أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي وهو الأخفش الصغير إلى أنهُ يجوز الحذف مع غيرهما قياسًا بشرط تعين الحرف ومكان الحذف نحو بريت القلم بالسكين فيجوز عنده حذف الباء فتقول بريت القلم السكين فإن لم يتعين الحرف لم يجز الحذف نحو رغبت في زيدٍ فلا يجوز حذف في اذ لا يدرى حينئذٍ هل التقدير رغبت عن زيدٍ أو في زيدٍ وكذلك إن لم يتعين مكان الحذف لم يجز نحو اخترت القوم من بني تميم فلا يجوز الحذف فلا تقول اخترت القوم بني تميم إذ لا يدرى هل الأصل اخترت القوم من بني تميم أو اخترت من القوم بني تميم وأما أنّ وأنْ فيجوز حذف حرف الجر معهما قياسًا مطردًا بشرط أمن اللبس كقولك عجبت أنْ يدوا والأصل عجبت من أن يدوا أي من أن يعطوا الدية ومثال ذلك مع أنّ بالتشديد عجبت من أنك قائمٌ فيجوز حذف من فتقول عجبت أنك قائمٌ فإن حصل لبس لم يجز الحذف نحو رغبت في أن تقوم أو في أنك قائمٌ فلا يجوز حذف في لاحتمال أن يكون المحذوف عن فيحصل اللبس واختلف في محل أنّ وأن عند حذف حرف الجر فذهب الأخفش إلى أنهما في محل جر وذهب الكسائي إلى أنهما في محل نصب وذهب سيبويه إلى تجويز الوجهين وحاصلهُ أن الفعل اللازم يصل إلى مفعولهِ بحرف الجر ثم إن كان المجرور غير أنّ وأنْ لم يجز حذف حرف الجر إلّا سماعًا وإن كان أنّ وأنْ جاز قياسًا عند أمن اللبس وهذا هو الصحيح
إذا تعدى الفعل إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبرًا في الأصل فالأصل تقديم ما هو فاعل في المعنى نحو أعطيت زيدًا درهمًا فالأصل تقديم زيد على درهم لأنهُ فاعل في المعنى لأنهُ الآخذ للدرهم وكذا كسوتُ زيدًا جبةً وألبسن من زاركم نسجَ اليمن فمن مفعول أول ونسج مفعول ثانٍ والأصل تقديم من على نسج اليمن لأنهُ اللابس ويجوز تقديم ما ليس فاعلًا معنى لكنهُ خلاف الأصل
أي يلزم الأصل وهو تقديم الفاعل في المعنى إذا طرأ ما يوجب ذلك وهو خوف اللبس نحو أعطيت زيدًا عمرًا فيجب تقديم الآخذ منهما ولا يجوز تقديم غيرهِ لأجل اللبس إذ يحتمل أن يكون هو الفاعل وقد يجب تقديم ما ليس فاعلًا في المعنى وتأخير ما هو فاعل في المعنى وذلك نحو اعطيت الدرهم صاحبهُ فلا يجوز تقديم صاحبهُ وإن كان فاعلًا في المعنى فلا تقول أعطيت صاحبهُ الدرهم لئلا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً وهو ممتنع والله أعلم
الفضلة خلاف العمدة والعمدة ما لا يستغنى عنهُ كالفاعل والفضلة ما يمكن الاستغناء عنهُ كالمفعول بهِ فيجوز حذف الفضلة إن لم يضر كقولك في ضربت زيدًا ضربت بحذف المفعول بهِ كقولك في أعطيت زيدًا درهمًا أعطيت ومنهُ قولهُ تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾ [الليل: 5] وأعطيت زيدًا ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5] وأعطيت درهمًا قيل ومنهُ قولهُ تعالى ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] التقدير والله أعلم حتى يعطوكم الجزية فإن ضر حذف الفضلة لم يجز حذفها كما إذا وقع المفعول بهِ في جواب سؤال نحو أن يقال من ضربتَ فتقول ضربتُ زيدًا أو وقع محصورًا نحو ما ضربت إلّا زيدًا فلا يجوز حذف زيدًا في الموضعين إذ لا يحصل في الأول الجواب ويبقى الكلام في الثاني دالًّا على نفي الضرب مطلقًا والمقصود نفيهُ عن غير زيد فلا يفهم المقصود عند حذفهِ
يجوز حذف ناصب الفضلة إذا دل عليهِ دليل نحو أن يقال من ضربتَ فتقول زيدًا التقدير ضربت زيدًا فحذف ضربتُ لدلالة ما قبلهُ عليهِ وهذا الحذف جائز وقد يكون واجبًا كما تقدم في باب الاشتغال نحو زيدًا ضربتهُ التقدير ضربت زيدًا ضربتهُ فحذف ضربت وجوبًا كما تقدم والله أعلم
