النكرة والمعرفة
النكرة ما يقبل أل وتؤثر فيهِ التعريف أو يقع موقع ما يقبل أل فمثال ما يقبل أل رجل فتقول الرجل واحترز بقولهِ وتؤثر فيهِ التعريف مما يقبل أل ولا تؤثر فيهِ التعريف كعباس علمًا فإنك تقول فيهِ العباس فتدخل عليهِ أل لكنها لم تؤثر فيهِ التعريف لأنهُ معرفة قبل دخولها ومثال ما وقع موقع ما يقبل أل ذو التي بمعنى صاحب نحو جاءني ذو مال أي صاحب مال فذو نكرة وهي لا تقبل أل لكنها واقعة موقع صاحب وصاحب يقبل أل نحو الصاحب
أي غير النكرة المعرفة وهي ستة أقسام المضمر كهم واسم الإشارة كذي والعلم كهند والمحلى بالألف واللام كالغلام والموصول كالذي وما أضيف إلى واحد منها كابني وسنتكلم عن هذه الأقسام
يشير إلى أن الضمير ما دل على غيبة كهو أو حضور وهو قسمان أحدهما ضمير المخاطب نحو أنت والثاني ضمير المتكلم نحو أنا
الضمير البارز ينقسم إلى متصل ومنفصل فالمتصل هو الذي لا يبتدأ بهِ كالكاف من أكرمك ونحوه ولا يقع بعد إلا في الاختيار فلا يقال ما اكرم إلاك وقد جاء شذوذًا في الشعر كقولهِ
أعوذ بربّ العرش من فئةٍ بغت عليّ فما لي عوضُ إلاهُ ناصر
وقولهِ
وما علينا إذا ما كنت جارتنا الا يجاورنا إلاك ديارُ
المضمرات كلها مبنية لشبهها بالحروف في الجمود ولذلك لا تصغر ولا تثنى ولا تجمع وإذا تقرر أنها مبنية فمنها ما يشترك فيهِ الجر والنصب وهو كل ضمير نصب أو جر متصل نحو أكرمتك ومررت بك وإنهُ ولهُ فالكاف في أكرمتك في موضع نصب وفي بك في موضع جر والهاء في إنهُ في موضع نصب وفي لهُ في موضع جر ومنها ما يشترك فيهِ الرفع والنصب والجر وهو نا وأشار إليهِ بقولهِ
أي صلح لفظ نا للرفع نحو نلنا وللنصب نحو فإننا وللجر نحو بنا ومما يستعمل للرفع والنصب والجر الياء فمثال الرفع اضربي ومثال النصب أكرمني ومثال الجر مر بي ويستعمل في الثلاثة أيضًا هم فمثال الرفع هم قائمون ومثال النصب أكرمتهم ومثال الجر لهم وإنما لم يذكر المصنف الياء وهم لأنهما لا يشبهان نا من كل وجه لأن نا تكون للرفع والنصب والجر والمعنى واحد وهي ضمير متصل في الأحوال الثلاثة بخلاف الياء فإنها وإن استعملت للرفع والنصب والجر وكانت ضميرًا متصلًا في الأحوال الثلاثة لم تكن بمعنى واحد في الأحوال الثلاثة لأنها في حالة الرفع للمخاطب وفي حالتي النصب والجر للمتكلم وكذلك هم لأنها وإن كانت بمعنى واحد في الأحوال الثلاثة فليست مثل نا لأنها في حالة الرفع ضمير منفصل وفي حالتي النصب والجر ضمير متصل
الألف والواو والنون من ضمائر الرفع المتصلة وتكون للغائب وللمخاطب. فمثال الغائب الزيدان قاما والزيدون قاموا والهندات قمنَ. ومثال المخاطب اعلما واعلموا واعلمن ويدخل تحت قول المصنف وغيرِه المخاطب والمتكلم وليس هذا بجيد لأن هذه الثلاثة لا تكون للمتكلم أصلًا بل إنما تكون للغائب أو المخاطب كما مثلنا
ينقسم الضمير إلى مستتر وبارز والمستتر إلى واجب الاستتار وجائزهِ والمراد بجائز الاستتار ما يحل محلهُ الظاهر وبواجب الاستتار ما لا يحل محلهُ الظاهر وذكر المصنف في هذا البيت من المواضع التي يجب فيها الاستتار أربعة * الأول فعل الأمر للواحد المخاطب كافعل التقدير أنت وهذا الضمير لا يجوز إبرازه لأنهُ لا يحل محلهُ الظاهر فلا تقول افعل زيد فأما افعل أنت فأنت تأكيد للضمير المستتر في افعل وليس بفاعل لافعل لصحة الاستغناء عنهُ فتقول افعل فإن كان الأمر لواحدة أو لاثنين أو لجماعة برز الضمير نحو اضربي واضربا واضربوا واضربن * الثاني الفعل المضارع الذي في أولهِ الهمزة نحو أوافق التقدير أنا فإن قلت أوافق أنا كان أنا تأكيدًا للضمير المستتر * الثالث الفعل المضارع الذي في أولهِ النون نحو نغتبط أي نحن * الرابع الفعل المضارع الذين في أولهِ التاء لخطاب الواحد نحو تشكر أي أنت فإن كان الخطاب لواحدة أو لاثنين أو لجماعة برز الضمير نحو أنت تفعلين وأنتما تفعلان وأنتم تفعلون وأنتنّ تفعلنَ هذا ما ذكره المصنف من المواضع التي يجب فيها استتار الضمير * ومثال جائز الاستتار زيد يقوم أي هو وهذا الضمير جائز الاستتار لأنهُ يحل محلهُ الظاهر فتقول زيد يقوم أبوه وكذلك كل فعل أسند إلى غائب أو غائبة نحو هند تقوم وما كان بمعناه نحو زيد قائم أي هو
تقدم أن الضمير ينقسم إلى مستتر وإلى بارز وسبق الكلام في المستتر. والبارز ينقسم إلى متصل ومنفصل فالمتصل يكون مرفوعًا ومنصوبًا ومجرورًا وسبق الكلام في ذلك. والمنفصل يكون مرفوعًا ومنصوبًا ولا يكون مجرورًا وذكر المصنف في هذا البيت المرفوع المنفصل وهو اثنا عشر أنا للمتكلم وحده ونحن للمتكلم المشارك أو المعظم نفسهُ وأنتَ للمخاطَب وأنتِ للمخاطبة وأنتما للمخاطبين أو المخاطبتين وأنتم للمخاطبين وأنتنّ للمخاطبات وهو للغائب وهي للغائبة وهما للغائبين أو للغائبتين وهم للغائبين وهن للغائبات
أشار في هذا البيت إلى المنصوب المنفصل وهو اثنا عشر أياي للمتكلم وحدهُ وإيانا للمتكلم المشارك أو المعظم نفسهُ وإياكَ للمخاطب وإياكِ للمخاطبة وإياكما للمخاطبين أو المخاطبتين وإياكم للمخاطبين وإياكن للمخاطبات وإياهُ للغائب وإياها للغائبة وإياهما للغائبين أو الغائبتين وإياهم للغائبين وإياهنّ للغائبات
كل موضع أمكن أن يؤتى فيهِ بالضمير المتصل لا يجوز العدول عنهُ إلى المنفصل إلا فيما سيذكره المصنف فلا تقل في أكرمتك أكرمت إياك لأنهُ يمكن الإتيان بالمتصل فتقول أكرمتك كقولهِ عليهِ الصلوة والسلام لابن الصياد ان يكنهُ فلن تسلط عليهِ والا يكنهُ فلا خير لك في قتلهِ وكقولهِ عليهِ الصلوة والسلام لعائشة رضي الله عنها اياك يا حميراء ان تكونيها فإن لم يمكن الإتيان بالمتصل تعين المنفصل نحو إياك أكرمت وقد جاء الضمير في الشعر منفصلًا مع إمكان الإتيان بهِ متصلًا كقولهِ
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير
أشار في هذين البيتين إلى المواضع التي يجوز أن يؤتى فيها بالضمير منفصلًا مع إمكان أن يؤتى بهِ متصلًا فأشار بقولهِ سلنيهِ إلى ما تعدى إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبرًا في الأصل وهما ضميران نحو الدرهم سلنيهِ فيجوز لك في هاء سلنيهِ الاتصال نحو سلنيهِ والانفصال نحو سلني إياهُ وكذلك كل فعل أشبههُ نحو الدرهم أعطيتكهُ وأعطيتك إياهُ وظاهر كلام المصنف أنهُ يجوز في هذه المسئلة الاتصال والانفصال على السواء وهو ظاهر كلام أكثر النحويين وظاهر كلام سيبويهِ أن الاتصال فيها واجب وأن الانفصال مخصوص بالشعر وأشار بقولهِ في "كنتهُ الخلف انتمى" إلى أنهُ إذا كان خبر كان وأخواتها ضميرًا فإنهُ يجوز اتصالهُ وانفصالهُ واختلف في المختار منهما فاختار المصنف الاتصال نحو "كنتهُ" واختار سيبويهِ الانفصال نحو "كنت إياهُ" وكذلك المختار عند المصنف الاتصال في نحو خلتنيهِ وهو كل فعل تعدّى إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل وهما ضميران ومذهب سيبويهِ أن المختار في هذا أيضًا الانفصال نحو خلتني إياهُ ومذهب سيبويهِ أرجح لأنهُ هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويهِ عنهم وهو المشافه لهم قال الشاعر
إذا قالت حذامِ فصدّقوها فإن القول ما قالت حذامِ
ضمير المتكلم أخص من ضمير المخاطب وضمير المخاطب أخص من ضمير الغائب فإن اجتمع ضميران منصوبان أحدهما أخص من الآخر فإن كانا متصلين وجب تقديم الأخص منهما فتقول الدرهم أعطيتكهُ وأعطيتنيهِ بتقديم الكاف والياء على الهاء لأنهما أخص من الهاء لأن الكاف للمخاطب والياء للمتكلم والهاء للغائب ولا يجوز تقديم الغائب مع الاتصال فلا تقول أعطيتهوك ولا اعطيتهوني وأجازهُ قوم ومنهُ ما رواهُ ابن الأثير في غريب الحديث من قول عثمان رضي الله عنهُ أراهمني الباطل شيطانًا فإن انفصل أحدهما كنت بالخيار فإن شئت قدمت الأخص فقلت الدرهم أعطيتك إياهُ وأعطيتني إياه وإن شئت قدمت غير الأخص فقلت أعطيتهُ إياك وأعطيتهُ إياي وإليهِ أشار بقولهِ وقدمن ما شئت في انفصال وهذا الذي ذكره ليس على إطلاقهِ بل إنما يجوز تقديم غير الأخص في الانفصال عند أمن اللبس فإن خيف لبس لم يجز فلو قلت زيد أعطيتك إياهُ لم يجز تقديم الغائب فلا تقول زيد أعطيتهُ إياك لأنهُ لا يعلم هل زيد مأخوذ أو آخذ
إذا اجتمع ضميران وكانا منصوبين واتحدا في الرتبة كأن يكونا لمتكلمين أو مخاطبين أو غائبين فإنهُ يلزم الفصل في أحدهما فتقول أعطيتني إياي وأعطيتك إياك وأعطيتهُ إياهُ ولا يجوز اتصال الضميرين فلا تقول اعطيتنيني ولا أعطيتكك ولا أعطيتهوهُ نعم إن كانا غائبين واختلف لفظهما فقد يتصلان نحو الزيدان الدرهم أعطيتهماهُ وإليهِ أشار بقولهِ في الكافية
مع اختلاف ما ونحو ضمنت إياهم الأرض الضرورة اقتضت
وربما أثبت هذا البيت في بعض نسخ الألفية وليس منها وأشار بقولهِ ونحو ضمنت إلى آخر البيت إلى أن الإتيان بالضمير منفصلًا في موضع يجب فيهِ اتصالهُ ضرورة كقولهِ
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير
وقد تقدم ذكر ذلك
إذا اتصل بالفعل ياء المتكلم لحقتهُ لزومًا نون تسمى نون الوقاية وسميت بذلك لأنها تقي الفعل من الكسر وذلك نحو أكرَمني ويكرمني وأكرمني وقد جاء حذفها مع ليس شذوذًا كما قال الشاعر
عددت قومي كعديد الطيسِ إذ ذهب القوم الكرام ليسي
واختلف في أفعل التعجب هل تلزمهُ نون الوقاية او لا فتقول ما أفقرني إلى عفو الله وما أفقري إلى عفو الله عند من يلتزمها فيهِ والصحيح أنها تلزم
ذكر في هذين البيتين حكم نون الوقاية مع الحروف فذكر ليت وأن نون الوقاية لا تحذف معها إلا ندورًا كقولهِ
كمنية جابرٍ إذ قال ليتي أصادفهُ وأتلف جل مالي
والكثير في لسان العرب ثبوتها وبهِ ورد القرآن قال الله تعالى ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 73] وأما لعل فذكر أنها بعكس ليت فالصحيح تجريدها من النون كقولهِ تعالى حكاية عن فرعون ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: 36]. ويقل ثبوت النون كقول الشاعر
فقلت أعيراني القدومَ لعلني أخطّ بها قبرًا لأبيض ماجدِ
ثم ذكر أنك بالخيار في الباقيات أي في باقي أخوات ليت ولعل وهي إن وأن وكأن ولكن فتقول إني وإنني وأني وأنني وكأني وكأنني ولكني ولكنني ثم ذكر أن من وعن تلزمها نون الوقاية فتقول مني وعني بالتشديد ومنهم من يخفف النون فيقول مني وعني وهو شاذ. قال الشاعر
أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني
أشار بهذا إلى أن الفصيح في لدني إثبات النون كقولهِ تعالى ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76] ويقل حذفها كقراءة مَن قرأ من لدني بالتخفيف والكثير في قد وقط ثبوت النون نحو قدني وقطني ويقل الحذف نحو قدي وقطي أي حسبي وقد اجتمع الحذف والإثبات في قولهِ
قدنيَ من نصر الخبيبين قدي ليس الإمام بالشحيح الملحدِ
