Chapter index

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

لا التي لنفي الجنس

عَمَلَ إِنَّ ٱجْعَلْ لِلَا فِي نَكِرَهْمُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ

هذا هو القسم الثالث من الحروف الناسخة للابتداء وهي لا التي لنفي الجنس والمراد بها لا التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كلهِ وإنما قال للتنصيص احترازًا من التي يقع الاسم بعدها مرفوعًا نحو لا رجلٌ قائمًا فإنها ليست نصًّا في نفي الجنس إذ يحتمل نفي الواحد ونفي الجنس فبتقدير إرادة نفي الجنس لا يجوز لا رجل قائمًا بل رجلان وبتقدير إرادة نفي الواحد يجوز نحو لا رجلٌ قائمًا بل رجلان وأما لا هذه فهي لنفي الجنس ليس إلا فلا يجوز لا رجل قائم بل رجلان وهي تعمل عمل إن فتنصب المبتدأ اسمًا لها وترفع الخبر خبرًا لها ولا فرق في هذا العمل بين المفردة وهي التي لم تتكرر نحو لا غلامَ رجلٍ قائم وبين المكررة نحو لا حولَ ولا قوة إلا بالله ولا يكون اسمها وخبرها إلا نكرة فلا تعمل في المعرفة وما ورد من ذلك مؤول بنكرة كقولهم قضية ولا أبا حسن لها فالتقدير ولا مسمى بهذا الاسم لها ويدل على أنهُ معامل معاملة النكرة وصفهُ بالنكرة كقولك لا أبا حسن حنانًا لها ولا يفصل بينها وبين اسمها فإن فصل بينهما ألغيت كقولهِ تعالى ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47]

فَٱنْصِبْ بِهَا مُضَافًا أَوْ مُضَارِعَهْوَبَعْدَ ذَاكَ ٱلْخَبَرَ ٱذْكُرْ رَافِعَهْ
وَرَكِّبِ ٱلْمُفْرَدَ فَاتِحًا كَلَاحَوْلَ وَلَا قُوَّةَ وَٱلثَّانِيَ ٱجْعَلَا
مَرْفُوعًا أَوْ مَنْصُوبًا أَوْ مُرَكَّبَاوَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا لَا تَنْصِبَا

لا يخلو اسم لا هذه من ثلاثة أحوال الحال الأول أن يكون مضافًا نحو لا غلامَ رجل حاضرٌ. الحال الثاني أن يكون مضارعًا للمضاف أي مشابهًا لهُ والمراد بهِ كل اسم تعلق بما بعده إما بعمل نحو لا طالعًا جبلًا ظاهرٌ ولا خيرًا من زيدٌ راكبٌ وإما بعطف نحو لا ثلاثة وثلاثين عندنا ويسمى المشبه بالمضاف مطولًا وممطولًا أي ممدودًا وحكم المضاف والمشبه بهِ النصب لفظًا كما مثل والحال الثالث أن يكون مفردًا والمراد بهِ هنا ليس بمضاف ولا مشبه بالمضاف فيدخل فيهِ المثنى والمجموع وحكمهُ البناء على ما كان ينصب بهِ لتركيبهِ مع لا وصيرورتهِ معها كالشيء الواحد فهو معها كخمسة عشر ولكن محلهُ النصب بلا لأنهُ اسم لها فالمفرد الذي ليس بمثنى ولا مجموع يبنى على الفتح لأن نصبهُ بالفتحة نحو لا حول ولا قوة إلا بالله والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما كانا ينصبان به وهو الياء نحو لا مسلمين لك ولا مسلمين لزيد فمسلمين ومسلمين مبنيان لتركبهما مع لا كما بنى رجل لتركبهِ معها وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن رجلًا في قولك لا رجل معرب وأن فتحتهُ فتحة إعراب لا فتحة بناء وذهب المبرد إلى أن مسلمين ومسلمين معربان وأما جمع المؤنث السالم فقال قوم يبنى على ما كان ينصب بهِ وهو الكسر فتقول لا مسلماتِ لك بكسر التاء ومنهُ قولهُ

إن الشباب الذي مجدٌ عواقبهُ فيهِ نلذُّ ولا لذاتِ للشيب

وأجاز بعضهم الفتح نحو لا مسلماتَ لك وقول المصنف وبعد ذاك الخبر اذكر رافعهُ معناه أنهُ يذكر الخبر بعد اسم لا مرفوعًا والرافع لهُ لا عند المصنف وجماعة وعند سيبويه الرافع لهُ إن يكون اسمها مضافًا أو مشبهًا بالمضاف لا وإن كان الاسم مفردًا فاختلف في رافع الخبر فذهب سيبويه إلى أنهُ ليس مرفوعًا بلا وإنما هو مرفوع على أنهُ خبر لمبتدا لأن مذهبهُ أن لا واسمها المفرد في موضع رفع بالابتداء والاسم المرفوع بعدهما خبر عن ذلك المبتدأ ولم تعمل لا عنده في هذه الصورة إلا في الاسم وذهب الأخفش إلى أن الخبر مرفوع بلا فتكون لا عاملة في الجزأين كما عملت فيهما مع المضاف والمشبه بهِ وأشار بقولهِ والثاني اجعلا إلى أنهُ إذا أتى بعد لا والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة وتكررت لا نحو لا حول ولا قوة إلا بالله يجوز فيها خمسة أوجه وذلك لأن المعطوف عليهِ إما أن يبنى مع لا على الفتح أو ينصب أو يرفع فإن بني معها على الفتح جاز في الثاني ثلاثة أوجه الأول البناء على الفتح لتركبهِ مع لا الثانية وتكون الثانية عاملة عمل إنّ نحو لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله الثاني النصب عطفًا على محل اسم لا وتكون لا الثانية زائدة بين العاطف والمعطوف نحو لا حولَ ولا قوة إلا بالله ومنهُ قولهُ

لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقعِ

الثالث الرفع وفيهِ ثلاثة أوجه الأول أن يكون معطوفًا على محل لا واسمها لأنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه وحينئذٍ تكون لا زائدة الثاني أن تكون لا الثانية عملت عمل ليس الثالث أن يكون مرفوعًا بالابتداء وليس للا عمل فيهِ وذلك نحو لا حول ولا قوةٌ إلا بالله ومنهُ قولهُ

هذا لعمركمُ الصغار بعينهِ لا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ

وإن نصب المعطوف عليهِ جاز في المعطوف الأوجه الثلاثة المذكورة أعني البناء والرفع والنصب نحو لا غلامَ رجل ولا امرأةَ ولا امرأةٌ ولا امرأةً وإن رفع المعطوف عليهِ جاز في الثاني وجهان الأول البناء على الفتح نحو لا رجلٌ ولا امرأةَ ولا غلامُ رجلٍ ولا امرأةَ ومنهُ قولهُ

فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا بهِ أبدًا مقيم

والثاني الرفع نحو لا رجلٌ ولا امرأةٌ ولا غلامُ رجلٍ ولا امرأةٌ ولا يجوز النصب للثاني لأنهُ إنما جاز فيما تقدم للعطف على اسم لا ولا هنا ليست بناصبة فيسقط النصب ولهذا قال المصنف وإن رفعت أولًا لا تنصبا

وَمُفْرَدًا نَعْتًا لِمَبْنِيّ يَلِيفَٱفْتَحْ أَوِ ٱنْصِبَنْ أَوِ ٱرْفَعْ تَعْدِلِ

إذا كان اسم لا مبنيًا ونعت بمفرد يليهِ أي لم يفصل بينهُ وبينهُ بفاصل جاز في النعت ثلاثة أوجه الأول البناء على الفتح لتركبهِ مع اسم لا نحو لا رجلَ ظريفَ الثاني النصب مراعاة لمحل اسم لا نحو لا رجلَ ظريفًا الثالث الرفع مراعاة لمحل لا واسمها لأنهما في موضع رفع عند سيبويه كما تقدم نحو لا رجلَ ظريفٌ

وَغَيْرَ مَا يَلِي وَغَيْرَ ٱلْمُفْرَدِلَا تَبْنِ وَٱنْصِبْهُ أَوِ ٱلرَّفْعَ ٱقْصِدِ

تقدم في البيت الذي قبل هذا أنهُ إذا كان النعت مفردًا والمنعوت مفردًا ووليهُ النعت جاز في النعت ثلاثة أوجه وذكر في هذا البيت أنهُ اذا لم يل النعت المفرد المنعوت المفرد بل فصل بينهما بفاصل لم يجز بناء النعت فلا تقول لا رجلَ فيها ظريفَ ببناء ظريف بل يتعين رفعهُ نحو لا رجلَ فيها ظريفٌ أو نصبهُ نحو لا رجل فيها ظريفًا وإنما سقط البناء على الفتح لأنهُ إنما جاز عند عدم الفصل لتركب النعت مع الاسم ومع الفصل لا يمكن التركيب كما لا يمكن التركيب إذا كان المنعوت غير مفرد نحو لا طالعًا جبلًا ظريفًا ولا فرق في امتناع البناء على الفتح في النعت عند الفصل بين أن يكون المنعوت مفردًا كما مثل أو غير مفرد وأشار بقولهِ وغير مفرد إلى أنهُ اذا كان النعت غير مفرد كالمضاف والمشبه بالمضاف يتعين رفعهُ أو نصبهُ فلا يجوز بناؤهُ على الفتح ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنعوت مفردًا أو غير مفرد ولا بين أن يفصل بينهُ وبين النعت أو لا يفصل وذلك نحو لا رجل صاحب بر فيها ولا غلام رجل فيها صاحب بر وحاصل ما في البيتين أنهُ اذا كان النعت مفردًا والمنعوت مفردًا ولم يفصل بينهما جاز في النعت ثلاثة أوجه نحو لا رجلَ ظريف وظريفًا وظريفٌ وإن لم يكونا كذلك تعين الرفع أو النصب ولا يجوز البناء

وَٱلْعَطْفُ إِنْ لَمْ تكَرَّرْ لَا ٱحْكُمَالَهُ بِمَا لِلنَّعْتِ ذِي ٱلْفَصْلِ ٱنْتَمَى

تقدم أنهُ إذا عطف على اسم لا نكرة مفردة وتكررت لا يجوز في المعطوف ثلاثة أوجه الرفع والنصب والبناء على الفتح نحو لا رجلَ ولا امرأةٌ ولا امرأةَ ولا امرأة وذكر في هذا البيت أنهُ إذا لم تتكرر لا يجوز في المعطوف ما جاز في النعت المفصول وقد تقدم في البيت الذي قبلهُ أنهُ يجوز فيهِ النصب والرفع ولا يجوز فيهِ البناء على الفتح فتقول لا رجل وامرأة وامرأةٌ ولا يجوز البناء على الفتح وحكى الأخفش لا رجل وامرأة بالبناء على الفتح على تقدير تكرر لا فكأنهُ قال لا رجل ولا امرأة ثم حذفت لا وكذلك إذا كان المعطوف غير مفرد لا يجوز فيهِ إلا الرفع والنصب سواء تكررت لا نحو لا رجل ولا غلام امرأة أو لم تتكرر نحو لا رجل وغلام امرأة هذا كلهُ إذا كان المعطوف نكرة فإن كان معرفة لا يجوز فيهِ إلا الرفع على كل حال نحو لا رجل ولا زيد فيها أو لا رجل وزيد فيها

وَأَعْطِ لَا مَعْ هَمْزَةِ ٱسْتِفْهَامِمَا تَسْتَحِقُّ دُونَ ٱلِٱسْتِفْهَامِ

إذا دخلت همزة الاستفهام على لا النافية للجنس بقيت على ما كان لها من العمل وسائر الأحكام التي سبق ذكرها فتقول ألا رجل قائم وألا غلام رجل قائم وألا طالعًا جبلًا ظاهرٌ وحكم المعطوف والصفة بعد دخول همزة الاستفهام كحكمهما قبل دخولها هكذا أطلق المصنف رحمهُ الله تعالى هنا وفي كل ذلك تفصيل وهو أنهُ إذا قصد بالاستفهام التوبيخ أو الاستفهام عن النفي فالحكم كما ذكر من أنهُ يبقى عملها وجميع ما تقدم ذكرهُ من أحكام العطف او الصفة وجواز الإلغاء * فمثال التوبيخ قولك ألا رجوع وقد شبت ومنهُ قولهُ

ألا ارعواء لمن ولت شبيبتهُ وآذنت بمشيبٍ بعدهُ هرمُ

ومثال الاستفهام عن النفي قولك ألا رجل قائمٌ ومنهُ

ألا اصطبار لسلمى أم لها جلدٌ إذا ألاقي الذي لاقاهُ أمثالي

وان قصد بألا التمني فمذهب المازني أنها تبقى على جميع ما كان لها من الأحكام وعليهِ يتمشى إطلاق المصنف ومذهب سيبويه أنهُ يبقى لها عملها في الاسم ولا يجوز إلغاؤها ولا الوصف أو العطف بالرفع مراعاةً للابتداء ومن استعمالها للتمني قولهم ألا ماء ماء باردًا وقول الشاعر

ألا عمر ولى مستطاعٌ رجوعهُ فيرأب ما أثأت يد الغفلاتِ

وَشَاعَ فِي ذَا ٱلْبَابِ إِسْقَاطُ ٱلْخَبَرْإِذَا ٱلْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ

إذا دل دليل على خبر لا النافية للجنس وجب حذفهُ عند التميميين والطائيين وكثر حذفهُ عند الحجازيين ومثالهُ أن يقال هل من رجلٍ قائمٌ فتقول لا رجلٌ وتحذف الخبر وهو قائم وجوبًا عند التميميين والطائيين وجوازًا عند الحجازيين ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر غير ظرف ولا جار ومجرور كما مثل أو ظرفًا ومجرورًا نحو أن يقال هل عندك رجل أو هل في الدار رجلٌ فتقول لا رجل فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفهُ عند الجميع نحو قولهِ صلى الله عليهِ وسلم لا أحد أغير من الله وقول الشاعر ولا كريم من الولدان مصبوح * وإلى هذا أشار المصنف بقولهِ إذا المراد مع سقوطهِ ظهر * واحترز بهذا مما لم يظهر المراد مع سقوطهِ فإنهُ لا يجوز حينئذٍ الحذف كما تقدم