Chapter index

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

المفعول المطلق

أَلْمَصْدَرُ ٱسْمُ مَا سِوَى ٱلزَّمَانِ مِنْمَدْلُولَيِ ٱلْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ

الفعل يدل على شيئين الحدث والزمان فقام يدل على قيام في زمن ماضٍ ويقوم يدل على قيام في الحال أو الاستقبال وقم يدل على قيام في الاستقبال والقيام هو الحدث وهو أحد مدلولي الفعل وهو المصدر وهذا معنى قولهِ ما سوى الزمان من مدلولي الفعل فكأنهُ قال المصدر اسم الحدث كأمن فإنهُ أحد مدلولي أمن والمفعول المطلق هو المصدر المنتصب توكيدًا لعاملهِ أو بيانًا لنوعهِ أو عددهِ نحو ضربت ضربًا وسرت سيرَ زيدٍ وضربت ضربتين وسمى مفعولًا مطلقًا لصدق المفعول عليهِ من غير قيد بحرف جر ونحوه بخلاف غيره من المفعولات فإنهُ لا يقع عليهِ اسم المفعول إلّا مقيدًا كالمفعول بهِ والمفعول معهُ والمفعول لهُ

بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْل أَوْ وَصْف نُصِبْوَكَوْنُهُ أَصْلًا لِهٰذَيْنِ ٱنْتُخِبْ

ينتصب المصدر بمثلهِ أي بالمصدر نحو عجبت من ضربك زيدًا ضربًا شديدًا أو بالفعل نحو ضربت زيدًا ضربًا أو بالوصف نحو أنا ضارب زيدًا ضربًا ومذهب البصريين أن المصدر أصل والفعل والوصف مشتقان منهُ وهذا معنى قولهِ وكونهُ أصلًا لهذين انتخب أي المختار أن المصدر أصل لهذين أي الفعل والوصف ومذهب الكوفيين أن الفعل أصل والمصدر مشتق منهُ وذهب قوم إلى أن المصدر أصل والفعل مشتق منهُ والوصف مشتق من الفعل وذهب ابن طلحة إلى أن كلًّا من المصدر والفعل أصل برأسهِ وليس أحدهما مشتقًا من الآخر والصحيح المذهب الأول لأن كل فرع يتضمن الأصل وزيادة والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك لأن كلًّا منهما يدل على المصدر وزيادة فالفعل يدل على المصدر والزمان والوصف يدل على المصدر والفاعل

تَوْكِيدًا أَوْ نَوْعًا يَبِينُ أَوْ عَدَدْكَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ

المفعول المطلق يقع على ثلاثة أحوال كما تقدم أحدها أن يكون مُؤَكّدًا نحو ضربت ضربًا الثاني أن يكون مبينًا للنوع نحو سرت سير ذي رشد وسرت سيرًا حسنًا والثالث أن يكون مبينًا للعدد نحو ضربت ضربة وضربتين وضربات

وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّكَجِدَّ كُلَّ ٱلْجِدِّ وَٱفْرَحِ ٱلْجَذَلْ

قد ينوب عن المصدر ما يدل عليهِ ككل وبعض مضافين إلى المصدر نحو جدّ كل الجد وكقولهِ تعالى ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129] وضربتهُ بعض الضرب وكالمصدر المرادف لمصدر الفعل المذكور نحو قعدت جلوسًا وافرح الجذل فالجلوس نائب مناب القعود لمرادفتهِ لهُ والجذل نائب مناب الفرح لمرادفتهِ لهُ وكذلك ينوب مناب المصدر اسم الإشارة نحو ضربتهُ ذلك الضرب وزعم بعضهم أنهُ إذا ناب اسم الإشارة مناب المصدر فلا بد من وصفهِ بالمصدر كما مثلنا وفيهِ نظر فمن أمثلة سيبويه ظننت ذاك أي ظننت ذاك الظن فذاك إشارة إلى الظن ولم يوصف بهِ وينوب عن المصدر أيضًا ضميره نحو ضربتهُ زيدًا أي ضربت الضرب ومنهُ قولهُ تعالى ﴿لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] أي لا أعذب العذاب وعدده نحو ضربتهُ عشرين ضربة ومنهُ قولهُ تعالى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] والآلة نحو ضربتهُ سوطًا والأصل ضربتهُ ضرب سوط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليهِ مقامهُ والله تعالى أعلم

وَمَا لِتَوْكِيد فَوَحِّدْ أَبَدَاوَثَنِّ وَٱجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا

لا يجوز تثنية المصدر المؤكد لعاملهِ ولا جمعهُ بل يجب إفرادهُ فتقول ضربت ضربًا وذلك لأنهُ بمثابة تكرير الفعل والفعل لا يثنى ولا يجمع وأما غير المؤكد وهو المبين للعدد والنوع فذكر المصنف أنهُ يجوز تثنيتهُ وجمعهُ فأما المبين للعدد فلا خلاف في جواز تثنيتهِ وجمعهِ نحو ضربت ضربتين وضربات وأما المبين للنوع فالمشهور أنهُ يجوز تثنيتهُ وجمعهُ إذا اختلفت أنواعه نحو سرت سيرَى زيد الحسن والقبيح وظاهر كلام سيبويه أنهُ لا يجوز تثنيتهُ ولا جمعهُ قياسًا بل يقتصر فيهِ على السماع وهذا اختيار الشلوبين

وَحَذْفُ عَامِلِ ٱلْمُؤَكِّدِ ٱمْتَنَعْوَفِي سِوَاهُ لِدَلِيل مُتَّسَعْ

المصدر المؤكد لا يجوز حذف عاملهِ لأنهُ مسوق لتقرير عاملهِ وتقويتهِ والحذف مناف لذلك وأما غير المؤكد فيحذف عاملهُ للدلالة عليهِ جوازًا او وجوبًا فالمحذوف جوازًا كقولك سير زيد لمن قال أي سير سرت وضربتين لمن قال كم ضربت زيدًا والتقدير سرت سير زيد وضربتهُ ضربتين وقول ابن المصنف إن قولهُ وحذف عامل المؤكد امتنع سهو منهُ لأن قولك ضربًا زيدًا مصدر مؤكد عاملهُ محذوف وجوبًا كما سيأتي ليس بصحيح وما استدل بهِ على دعواه من وجوب حذف عامل المؤكد بما سيأتي ليس منهُ وذلك لأن ضربًا زيدًا ليس من التأكيد في شيء بل هو أمر خالٍ من التأكيد بمثابة اضرب زيدًا لأنهُ واقع موقعهُ فكما أن اضرب زيدًا لا تأكيد فيهِ كذلك ضربًا زيدًا وكذلك جميع الأمثلة التي ذكرها ليست من باب التأكيد في شيء لأن المصدر فيها نائب مناب العامل دال على ما يدل عليهِ وهو عوض عنهُ ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما ولا شيء من المؤكدات يمتنع الجمع بينها وبين المؤكد ويدل أيضًا على أن ضربًا زيدًا ونحوه ليس من المصدر المؤكد لعاملهِ أن المصدر المؤكد لا خلاف في أنهُ لا يعمل واختلفوا في المصدر الواقع موقع الفعل هل يعمل او لا والصحيح أنهُ يعمل فزيدًا في قولك ضربًا زيدًا منصوب بضربًا على الأصح وقيل إنهُ منصوب بالفعل المحذوف وهو اضرب فعلى القول الأول ناب ضربًا عن اضرب في الدلالة على معناه وفي العمل وعلى القول الثاني ناب عنهُ في الدلالة على المعنى دون العمل

وَٱلْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلَامِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلًا ٱللَّذْ كَٱنْدُلَا

يحذف عامل المصدر وجوبًا في مواضع منها إذا وقع المصدر بدلًا من الفعل وهو مقيس في الأمر والنهي نحو قيامًا لا قعودًا أي قم قيامًا ولا تقعد قعودًا والدعاء نحو سقيًا لك أي سقاك الله وكذلك يحذف عامل المصدر وجوبًا إذا وقع المصدر بعد الاستفهام المقصود بهِ التوبيخ نحو أتوانيًا وقد علاك المشيب أي أتتوانى ويقل حذف عامل المصدر وإقامة المصدر مقامهُ في الفعل المقصود بهِ الخبر نحو أفعل وكرامة أي وأكرمك فالمصدر في هذه الأمثلة ونحوها منصوب بفعل محذوف وجوبًا والمصدر نائب منابهُ في الدلالة على معناه وأشار بقولهِ كندلًا إلى ما أنشده سيبويه وهو قول الشاعر

يمرون بالدهنا خفافًا عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلًا زريق المال ندل الثعالب

فندلًا نائب مناب فعل الأمر وهو اندل والندل خطف الشيء بسرعة وزريق منادى والتقدير ندلًا يا زريق المال وزريق اسم رجل وأجاز المصنف أن يكون مرفوعًا بندلًا وفيهِ نظر لأنهُ إن جعل نائبًا مناب فعل الأمر للمخاطب والتقدير أندل لم يصح أن يكون مرفوعًا بهِ لأن فعل الأمر إذا كان للمخاطب لا يرفع ظاهرًا فكذلك ما ناب منابهُ وإن جعل نائبًا مناب فعل الأمر للغائب والتقدير ليندل صح أن يكون مرفوعًا بهِ لكن المنقول أن المصدر لا ينوب مناب فعل الأمر للغائب وإنما ينوب مناب فعل الأمر للمخاطب نحو ضربًا زيدًا أي اضرب زيدًا والله أعلم

وَمَا لِتَفْصِيلٍ كَإِمَّا مَنَّاعَامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنَّا

يحذف أيضًا عامل المصدر وجوبًا إذا وقع تفصيلًا لعاقبة ما تقدمهُ كقولهِ تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] فمنا وفداء مصدران منصوبان بفعل محذوف وجوبًا والتقدير والله أعلم فإما تمنون منًّا وإما تفدون فداء وهذا معنى قولهِ وما لتفصيل إلى آخره أي يحذف عامل المصدر المسوق للتفصيل حيث عنّ أي عرض

كَذَا مُكَرَّرٌ وَذُو حَصْرٍ وَرَدْنَائِبَ فِعْلٍ لِٱسْمِ عَيْنٍ ٱسْتَنَدْ

أي كذا يحذف عامل المصدر وجوبًا إذا ناب المصدر عن فعل استند لاسم عين أي أخبر بهِ عنهُ وكان المصدر مكررًا أو محصورًا فمثال المكرر زيدٌ سيرًا سيرًا والتقدير زيدٌ يسير سيرًا فحذف يسير وجوبًا لقيام التكرير مقامهُ ومثال المحصور ما زيدٌ إلّا سيرًا وإنما زيدٌ سيرًا والتقدير ما زيدٌ إلّا يسير سيرًا وانما زيد يسير سيرًا فحذف يسير وجوبًا لما في الحصر من التأكيد القائم مقام التكرير فإن لم يكرر ولم يحصر لم يجب الحذف نحو زيد سيرًا والتقدير زيد يسير سيرًا فإن شئت حذفت يسير وإن شئت صرحت بهِ والله أعلم

وَمِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدَالِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَٱلْمُبْتَدَا
نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَاوَٱلثَّانِ كَٱبْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفَا

أي من المصدر المحذوف عاملهُ وجوبًا ما يسمى المؤكد لنفسهِ والمؤكد لغيره فالمؤكد لنفسهِ هو الواقع بعد جملة لا تحتمل غيره نحو لهُ عليّ ألف عرفًا أي اعترافًا فاعترافًا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا والتقدير أعترف اعترافًا ويسمى مؤكدًا لنفسهِ لأنهُ مؤكد للجملة قبلهُ وهي نفس المصدر بمعنى أنها لا تحتمل سواهُ وهذا هو المراد بقولهِ فالمبتدا أي فالأوّل من القسمين المذكورين في البيت الأول والمؤكد لغيره هو الواقع بعد جملة تحتملهُ وتحتمل غيره فتصير بذكرهِ نصًّا فيهِ نحو أنت ابني حقًّا فحقًّا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا والتقدير أحقهُ حقًّا ويسمى مؤكدًا لغيرهِ لأن الجملة قبلهُ تصلح لهُ ولغيرهِ لأن قولك أنت ابني يحتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازًا على معنى أنت عندي في الحنوّ بمنزلة ابني فلما قال حقًّا صارت الجملة نصًّا على أن المراد البنوة حقيقة فتأثرت الجملة بالمصدر لأنها صارت بهِ نصًّا فكان مؤكدًا لغيره لوجوب مغايرة المؤثر للمؤثر فيهِ

كَذَاكَ ذُو ٱلتَّشْبِيهِ بَعْدَ جُمْلَهْكَلِي بُكًا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ

أي كذلك يجب حذف عامل المصدر إذا قصد بهِ التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى نحو لزيد صوت صوت حمار ولهُ بكاء بكاء الثكلى فصوت حمار مصدر تشبيهي وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا والتقدير يصوّت صوت حمار وقبلهُ جملة وهي لزيد صوت وهي مشتملة على الفاعل في المعنى وهو زيد وكذلك بكاء الثكلى منصوب بفعل محذوف وجوبًا والتقدير يبكي بكاء الثكلى فلو لم يكن قبل هذا المصدر جملة وجب الرفع نحو صوتهُ صوت حمار وبكاؤه بكاء الثكلى وكذا لو كان قبلهُ جملة وليست مشتملة على الفاعل في المعنى نحو هذا بكاء بكاء الثكلى وهذا صوت صوت حمار ولم يتعرض المصنف لهذا الشرط ولكنهُ مفهوم من تمثيلهِ