اعمال المصدر
يعمل المصدر عمل الفعل في موضعين احدهما أن يكون نائبًا مناب الفعل نحو ضربًا زيدًا فزيدًا منصوب بضربًا لنيابتهِ مناب اضرب وفيهِ ضمير مستتر مرفوع بهِ كما في أضرب وقد تقدم ذلك في باب المصدر والموضع الثاني أن يكون المصدر مقدرًا بان والفعل أو بما والفعل وهو المراد بهذا الفصل فيتقدر بان إذا أريد المضي أو الاستقبال نحو عجبت من ضربك زيدًا أمس أو غدًا والتقدير من أن ضربت زيدًا أمس أو من أن تضرب زيدًا غدًا ويتقدر بما إذا أريد بهِ الحال نحو عجبت من ضربك زيدًا الآن التقدير مما تضرب زيدًا الآن وهذا المصدر المقدر يعمل في ثلاثة أحوال مضافًا نحو عجبت من ضربك زيدًا او مجردًا عن الإضافة وأل وهو المنوّن نحو عجبت من ضربٍ زيدًا او محلى بالألف واللام نحو عجبت من الضرب زيدًا وإعمال المضاف أكثر من إعمال المنوّن وإعمال المنوّن أكثر من إعمال المحلى بال ولهذا بدأ المصنف بذكر المضاف ثم المجرد المحلى من إعمال المنوّن قولهُ تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: 14-15] فيتيمًا منصوب باطعام وقول الشاعر
بضربٍ بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهنّ على المقيلِ
فرؤوسَ منصوب بضرب ومن إعمالهِ وهو محلى بال قولهُ
ضعيف النكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل
وقولهُ فإنك والتأبين عروة بعد ما دعاك وأيدينا إليهِ شوارعُ
وقولهُ
لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
فاعداءهُ منصوب بالنكاية وعروة منصوب بالتابين ومسمعًا منصوب بالضرب وأشار بقولهِ ولاسم مصدر عمل إلى أن اسم المصدر قد يعمل عمل الفعل والمراد باسم المصدر ما ساوى المصدر في الدلالة وخالفهُ بخلوه لفظًا وتقديرًا من بعض ما في فعلهِ دون تعويض كعطاء فإنهُ مساوٍ لإعطاء معنى ومخالف لهُ بخلوه من الهمزة الموجودة في فعلهِ وهو خال منها لفظًا وتقديرًا ولم يعوض عنها شيء واحترز بذلك مما خلا من بعض ما في فعلهِ لفظًا ولم يخل منهُ تقديرًا فإنهُ لا يكون اسم مصدر بل يكون مصدرًا وذلك نحو قتال فإنهُ مصدر قاتل وقد خلا من الألف التي قبل التاء في الفعل لكن خلا منها لفظًا ولم يخلُ تقديرًا ولذلك نطق بها في بعض المواضع نحو قاتل قيتالًا وضارب ضيرابًا لكن انقلبت الألف ياء لكسر ما قبلها واحترز بقولهِ دون تعويض مما خلا من بعض ما في فعلهِ لفظًا وتقديرًا ولكن عوّض عنهُ شيء فإنهُ لا يكون اسم مصدر بل هو مصدر وذلك نحو عدة فإنهُ مصدر وعد وقد خلا من الواو التي في فعلهِ لفظًا وتقديرًا ولكن عوض عنها التاء وزعم ابن المصنف أن عطاء مصدر وأن همزتهُ حذفت تخفيفًا وهو خلاف ما صرح بهِ غيره من النحويين ومن إعمال اسم المصدر قولهُ
أكفرًا بعد رد الموت عنى وبعد عطائك المائة الرتاعا
فالمائة منصوب بعطائك ومنهُ حديث الموطأ من قبلة الرجل امرأتهُ الوضوء فامراتهُ منصوب بقبلة وقولهُ
إذا صح عون الخالق المرء لم يجد عسيرًا من الآمال إلا ميسرا
وقولهُ بعشرتك الكرام تعدّ منهم فلا ترين لغيرهم ألوفا
وإعمال اسم المصدر قليل ومن ادعى الإجماع على جواز إعمالهِ فقد وهم فإن الخلاف في ذلك مشهور وقال الصيمري إعمالهُ شاذ وأنشد أكفرًا البيت وقال ضياء الدين ابن العلج في البسيط ولا يبعد أن ما قام مقام المصدر يعمل عملهُ ونقل عن بعضهم أنهُ أجاز ذلك قياسًا
يضاف المصدر إلى الفاعل فيجره ثم ينصب المفعول نحو عجبت من شرب زيد العسل وإلى المفعول ثم يرفع الفاعل نحو عجبت من شرب العسل زيد ومنهُ قولهُ
تنفى يداها الحصى في كل هاجرة نفى الدراهم تنقاد الصياريف
وليس هذا الثاني مخصوصًا بالضرورة خلافًا لبعضهم وجعل منهُ قولهُ تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] فأعرب من فاعلًا بحج وردّ بأنهُ يصير المعنى ولله على جميع الناس أن يحج البيت المستطيع وليس كذلك فمن بدل من الناس والتقدير ولله على الناس مستطيعهم حج البيت وقيل من مبتدأ والخبر محذوف والتقدير من استطاع منهم فعليهِ ذلك ويضاف المصدر أيضًا إلى الظرف ثم يرفع الفاعل وينصب المفعول نحو عجبت من ضرب اليوم زيد عمرًا
إذا أضيف المصدر إلى الفاعل ففاعلهُ يكون مجرورًا لفظًا مرفوعًا محلًا فيجوز في تابعهِ من الصفة والعطف وغيرهما مراعاة اللفظ فيجر ومراعاة المحل فيرفع فتقول عجبت من شرب زيد الظريفِ او الظريفُ ومن إتباعه المحل قولهُ
حتى تهجر في الرواح وهاجها طلب المعقب حقهُ المظلومُ
فرفع المظلوم لكونهِ نعتًا للمعقب على المحل وإذا أضيف إلى المفعول فهو مجرور لفظًا منصوب محلًا فيجوز أيضًا في تابعهِ مراعاة اللفظ والمحل ومن مراعاة المحل قولهُ
قد كنت داينت بها حسانا مخافة الإفلاس والليانا
فالليانا معطوف على محل الإفلاس
