Chapter index

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك

التعجب

بِأَفْعَلَ ٱنْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَاأَوْ جِئْ بِأَفْعِلْ قَبْلَ مَجْرُورٍ بِبَا
وَتِلْوَ أَفْعَلَ ٱنْصِبَنَّهُ كَمَاأَوْفَى خَلِيلَيْنَا وَأَصْدِقْ بِهِمَا

للتعجب صيغتان احداها ما أفعلهُ والثانية أفعل بهِ وإليهما أشار المصنف بالبيت الأول أي أنطق بأفعل بعد ما للتعجب نحو ما أحسن زيدًا وما أوفى خليلينا أو جيء بأفعل قبل مجرور بالباء نحو أحسن بالزيدين وأصدق بهما فما مبتدأ وهي نكرة تامة عند سيبويه وأحسن فعل ماض فاعلهُ ضمير مستتر عائد على ما وزيدًا مفعول أحسن والجملة خبر عن ما والتقدير شيء أحسن زيدًا أي جعلهُ حسنًا وكذلك ما أوفى خليلينا وأما أفعل ففعل أمر ومعناه التعجب لا الأمر وفاعلهُ المجرور بالباء والباء زائدة واستدل على فعلية أفعل بلزوم نون الوقاية لهُ إذا اتصلت بهِ ياء المتكلم نحو ما أفقرني إلى عفو الله وعلى فعلية أفعل بدخول نون التوكيد عليهِ في قولهِ

ومستبدل من بعد غضبي صريمة فأحرِ بهِ من طول فقر وأحريا

أراد وأحرين بنون التوكيد الخفيفة فأبدلها ألفًا في الوقف وأشار بقولهِ وتلو أفعل إلى أن تالي أفعل ينصب لكونهِ مفعولًا نحو ما أوفى خليلينا ثم مثل بقولهِ وأصدق بهما للصيغة الثانية وما قدمناه من أن ما نكرة تامة هو الصحيح والجملة التي بعدها خبر عنها والتقدير شيء أحسن زيدًا أي جعلهُ حسنًا وذهب الأخفش إلى أنها موصولة والجملة التي بعدها صلتها والخبر محذوف والتقدير الذي أحسن زيدًا شيء عظيم وذهب بعضهم إلى أنها استفهامية والجملة التي بعدها خبر عنها والتقدير أي شيء أحسن زيدًا وذهب بعضهم إلى أنها نكرة موصوفة والجملة التي بعدها صفة لها والخبر محذوف والتقدير شيء أحسن زيدًا عظيم

وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ ٱسْتَبِحْإِنْ كَانَ عِنْدَ ٱلْحَذْفِ مَعْنَاهُ يَضِحْ

يجوز حذف المتعجب منهُ وهو المنصوب بعد أفعل والمجرور بالباء بعد أفعل إذا دلّ عليهِ دليل فمثال الأول قولهُ

أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا بكاء على عمرو وما كان أصبرا

التقدير وما كان أصبرها فحذف الضمير وهو مفعول أفعل للدلالة عليهِ بما تقدم ومثال الثاني قولهُ تعالى ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38] التقدير والله أعلم وأبصر بهم فحذف بهم لدلالة ما قبلهُ عليهِ وقول الشاعر

فذلك إن يلقَ المنية يلقها حميدًا وإن يستغن يومًا فأجدرِ

أي فأجدر بهِ فحذف المتعجب منهُ بعد أفعل وإن لم يكن معطوفًا على أفعل مثلهُ وهو شاذ

وَفِي كِلَا ٱلْفِعْلَيْنِ قِدْمًا لَزِمَامَنْعُ تَصَرُّفٍ بِحُكْمٍ حُتِمَا

لا يتصرف فعلا التعجب بل يلزم كل منهما طريقة واحدة فلا يستعمل من أفعل غير الماضي ولا من أفعل غير الأمر قال المصنف وهذا مما لا خلاف فيهِ

وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَاقَابِلِ فَضْلٍ تَمَّ غَيْرِ ذِي ٱنْتِفَا
وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلَاوَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلَا

يشترط في الفعل الذي يصاغ منهُ فعلا التعجب شروط سبعة احدها أن يكون ثلاثيًا فلا يبنيان مما زاد عليهِ نحو دحرج وانطلق واستخرج الثاني أن يكون متصرفًا فلا يبنيان من فعل غير متصرف كنعم وبئس وعسى وليس الثالث أن يكون معناه قابلًا للمفاضلة فلا يبنيان من مات وفنى ونحوهما إذ لا مزية فيها لشيء على شيء الرابع أن يكون تامًّا واحترز بذلك عن الأفعال الناقصة نحو كان وأخواتها فلا تقول ما أكون زيدًا قائمًا وأجازهُ الكوفيون الخامس أن لا يكون منفيًّا واحترز بذلك من المنفي لزومًا نحو ما عاج فلان بالدواء أي ما انتفع بهِ أو جوازًا نحو ما ضربت زيدًا السادس أن لا يكون الوصف منهُ على أفعل واحترز بذلك من الأفعال الدالة على الألوان كسود فهو أسود وحمر فهو أحمر والعيوب كحول فهو أحول وعور فهو أعور فلا يقال ما أسودهُ ولا ما أحمره ولا ما أحولهُ ولا ما أعورهُ ولا أعور بهِ ولا أحول بهِ السابع أن لا يكون مبنيًا للمفعول نحو ضرب زيدٌ فلا تقول ما أضرب زيدًا تريد التعجب من ضرب أوقع بهِ لئلا يلتبس بالتعجب من ضرب أوقعهُ

وَأَشْدِدَ أَوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَايَخْلُفُ مَا بَعْضَ ٱلشُّرُوطِ عَدِمَا
وَمَصْدَرُ ٱلْعَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْوَبَعْدَ أَفْعِلْ جَرُّهُ بِٱلْبَا يَجِبْ

يعني أنهُ يتوصل إلى التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بأشدد ونحوهِ وبأشدّ ونحوهِ وينصب مصدر ذلك الفعل العادم للشروط بعد أفعل مفعولًا ويجرّ بعد أفعل بالباء فتقول ما أشدّ دحرجتهُ واستخراجهُ وأشدد بدحرجتهِ واستخراجهِ وما أقبح عورهُ وأقبح بعورهِ وما أشدّ حمرتهُ وأشدد بحمرتهِ

وَبِٱلنُّدُورِ ٱحْكُمْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرْوَلَا تَقِسْ عَلَى ٱلَّذِي مِنْهُ أُثِرْ

يعني أنهُ إذا ورد بناء فعل التعجب من شيء من الأفعال التي سبق أنهُ لا يبنى منها حكم بندوره ولا يقاس على ما سمع منهُ كقولهم ما أخصرهُ من اختصر فبنوا أفعل من فعل زائد على ثلاثة أحرف وهو مبني للمفعول وكقولهم ما أحمقهُ فبنوا أفعل من فعل الوصف منهُ على أفعل نحو حمق فهو أحمق وقولهم ما أعساهُ وأعسِ بهِ فبنوا أفعل وأفعل من عسى وهو فعل غير متصرف

وَفِعْلُ هٰذَا ٱلْبَابِ لَنْ يُقَدَّمَامَعْمُولُهُ وَوَصْلُهُ بِهِ ٱلْزَمَا
وَفَصْلُهُ بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرّمُسْتَعْمَلٌ وَٱلْخُلْفُ فِي ذَاكَ ٱسْتَقَرّ

لا يجوز تقديم معمول فعل التعجب عليهِ فلا تقول زيدًا ما أحسن ولا ما زيدًا أحسن ولا بزيد أحسن ويجب وصلهُ بعاملهِ فلا يفصل بينهما بأجنبى فلا تقول في ما أحسن معطيك الدراهم ما أحسن الدراهم معطيك ولا فرق في ذلك بين المجرور وغيره فلا تقول ما أحسن بزيد مارًّا تريد ما أحسن مارًّا بزيد ولا ما أحسن عندك جالسًا تريد ما أحسن جالسًا عندك فإن كان الظرف أو المجرور معمولًا لفعل التعجب ففي جواز الفصل بكل منهما بين فعل التعجب ومعمولهِ خلاف والمشهور المنصور جوازهُ خلافًا للأخفش والمبرد ومن وافقهما ونسب الصيمرى المنع إلى سيبويه ومما ورد فيهِ الفصل في النثر قول عمرو بن معدي كرب لله در بني سليم ما أحسن في الهيجاء لقاءها وأكرم في اللزبات عطاءها وأثبت في المكرمات بقاءها وقول علي كرم الله وجههُ وقد مرّ بعمار فمسح التراب عن وجههِ أعزز علىّ أبا اليقظان أن أراك صريعًا مجندلًا ومما ورد منهُ في النظم قول بعض الصحابة رضي الله عنهم

وقال نبيّ المسلمين تقدموا وأحبب إلينا أن يكون المقدما

وقولهُ

خليليّ ما أحرى بذي اللب أن يرى صبورًا ولكن لا سبيل إلى الصبرِ